اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
العبارة الأثيرة
 العبارة الأثيرة
حسن العاني
على كثرة المعارف والزملاء والأصدقاء في حياتي على مدى سبعين سنة من العمر، إلا انني لم التقِ أو اصادف رجلاً مؤمناً بالقانون الى حد الهوس مثل صديقي سالم، وكنيته (ابو علي)، فقد كان الحديث عن القانون والالتزام به وتطبيقه، لا يفارق لسانه وهو معنا في المقهى أو النادي، أو وهو في الشارع أو السوق أو سيارة (الكيا) ولا يغادر سلوكه عند مواجهة اية مشكلة أو موقف!. 
ربما لهذا السبب كنا نمازحه ولا ندعوه بكنيته، بل نناديه (ابو القانون)، ولم يكن الرجل يغضب من هذه المزحة، واغلب الظن ان علاقتي الوطيدة معه بصورة استثنائية هي التي جعلتني - زيادة على لقاءات المقهى أو تبادل الزيارات العائلية- أزوره في مقر عمله كلما تهيأت لي فرصة مناسبة، ولم أكن في العادة أمكث عنده اكثر من عشر دقائق في الحد الأعلى لانه منهمك بالعمل حتى اذنيه كما يقال، الى الحد الذي كان يتحدث معي وهو منصرف بتمشية معاملات المراجعين، وقد لاحظت امراً غريباً فغرفته مكتظة طوال الوقت، كما لو ان (الدائرة) ليس فيها سوى غرفته، وآية ذلك ان صديقي كان الملاذ الانساني الذي يلجأ اليه اي مراجع تتلكأ معاملته لهذا السبب أو ذاك، كطلب الرشوة أو الروتين أو الاهمال، وعادة ما يبتسم في وجوههم ابتسامة تدخل الطمأنينة في النفس، ويردد عبارته الأثيرة (أترك القضية على القانون)، ويشرح لهم دور القانون واهميته في الحياة، وان لا شيء يضيع بوجوده، وغالبا ما يترك مكتبه، ويذهب مع المراجع الى هذه الغرفة أو تلك، ولن يعود الا وقد انجز المعاملة، خاصة إذا كان صاحبها مريضا أو كبير السن!! 
سقط النظام وتهاوت الدكتاتورية وارتبك كل شيء، فما بين وجود قوى قديمة تحاول الحفاظ على بقائها وقوى جديدة تسعى لتثبيت اقدامها، وما بين وجود احتلال وقاعدة ومفخخات وتصفية حسابات عامة وشخصية، كانت الفوضى قد ضربت اطنابها في كل مرفق من مرافق الحياة.. وربما كنا نحن الاعلاميين اشد الشرائح تأثراً وارتجاجا بذلك المشهد الفوضوي، ولهذا ما عاد أحدنا يسأل عن الآخر وماذا حل به وأين هو، لانشغاله بنفسه وما يدور حوله!
في بداية عام 2005 على الأرجح انتبهت بصورة مفاجئة ان اخبار صديقي سالم قد انقطعت تماما، ولم أسمع عنه خيراً أو شراً منذ 9/4/2003 فشعرت بالخوف من مكروه اصابه مثلما شعرت بتأنيب الضمير، لانني طوال المدة المنصرمة لم أسأل عنه ولم اتقص اخباره، وهكذا هممت نفسي وقصدت دائرته على وجه السرعة وأنا مسكون بالرعب! 
الحمد لله قلت لنفسي وانا مأخوذ بالفرح فها هو الرجل وراء مكتبه والمراجعون من حوله وقد غصت بهم الغرفة وكأن شيئاً لم يتغير، فالكل يستنجد به ويطلب عونه، استقبلني صديقي بمحبة وحنين تصافحنا وتبادلنا القبل والتهاني على السلامة، وعلى عادته كان يتحدث معي من دون ان يتوقف عن تمشية المعاملات، وفيما كنت اسأله عن وضع العائلة ويسألني عن وضع عائلتي، تقدم منه رجل طاعن في السن واخبره وهو يكاد يبكي انهم يرفضون انجاز معاملته ويطلبون منه بالعلن رشوة، والمشكلة كما أوضحها الرجل الطاعن، ان الرشوة التي يطلبونها عالية جداً وفوق امكانياته المادية بكثير.. حتى اذا فرغ من كلامه اردت ان اقول له عبارة سالم الأثيرة.. (اترك القضية على القانون) ولكن صديقي كان أسرع مني وقال له: اترك القضية على الله!!