اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود
 نصب "العامل" في ساحة أم البروم صراع المقبرة مع المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
ناصر الحجاج
 صراع البداوة والحضارة، صراع الأعراب والمدنيين، صراع مستمر يأخذ أشكالا كثيرة في جوهر واحد هو أن المكان بالمكين، وأن المدني يميل إلى صنع المدينة، تماما كالفنان المبدع، يجري دمه في عروقه بحثا عن إبداع جديد أينما حل، في المدرسة يشعل جمرة الإبداع الكامنة في تلامذته، وفي السجن يحول جدارنه إلى جداريات، هكذا أراد الخليفة العباسي هارون الرشيد أن يبلغ قمة التمدن، وأن يجعل من بغداد أم الدنيا، بحيث يسأل الرجل صاحبه: "هل زرت بغداد؟ فيجيبه: لا، فيقول له إنك إذن لم تر الدنيا" لكن الرشيد الذي أثر عنه مخاطبا الغمامة: "أمطري أنى شئتِ، فسيأتيني خراجك" تأمل أطراف مملكته طولا وعرضا بحثا عن صديق يحمل صفات لا يجاريه فيها أحد غيره، فوقع اختياره على الحسن بن هانئ "أبي نؤاس": الفقيه، المحدث، المقرئ، الشاعر، المبدع، صاحب الفكاهة وحاضر البديهة وفوق كل ذلك المتحضر المدني الذي يعشق الحضارة ويذوب هياما بالحياة المدنية فأغراه الخليفة بترك البصرة والقدوم إلى بغداد نديما له، ويبدو أن النواسي عقد صفقة بينه وبين الرشيد ألا يقيد عليه حريته، في القول ولا في الفعل، وقد تم له ذلك، ففاض نبع أبي نؤاس قصائد عدها نقاد الأدب فتحا شعريا كسر قيد التقليد في الوقوف على الأطلال، حيث عرف عن أبي نؤاس مقته للحياة البدوية، وقد سخر من حياة البدو في قصائد كثيرة منها قوله: 
عاجَ الشقِيّ على دارٍ يُسائِلُها،  وعُجتُ أسألُ عن خَمّارَة ِ البلدِ 
لا يُرْقىء ُ الله عينَيْ من بكى حجَراً  ولا شفَى وَجْدَ من يصْبو إلى وَتَدِ 
وهنا يعيد أبو نؤاس صراع النبي المدني محمد عليه السلام مع "الأعراب الأجلاف الأشد كفرا ونفاقاً"، ويصوغ هذا الصراع بطابع شعري، من خلال التهكم والكوميديا السوداء، فالأعرابي يكره المدنية، وأن أجبر على السكنى فيها، كفرَ بها ونافق. 
وما دامت بغداد متحضرة فإن اسمها سيبقى مقرونا بأبي نؤاس، بلهوه وتهوره، ونقده اللاذع للمتخلفين، وللأعراب، وللمنافقين في تحضرهم، بل للخليفة هارون الرشيد نفسه، فقصص النواسي مع الرشيد ملأت بطون العديد من الكتب. هذه الروح النواسية هي التي جعلت من بغداد الرشيد نموذجا للحضارة وللفن، ودفعت إلى تسمية أجمل شوارع بغداد المحاذي لنهر دجلة الخالد باسم الشاعر أبي نؤاس، ولا يكتمل احتفاء بغداد بهويتها المدنية إلا بتمثاله الذي نفذه فنان بصري أقام هو الآخر في بغداد كالنواسي هو النحات المبدع إسماعيل فتاح الترك، وقد رفع الستار عن نصب أبي نؤاس عام 1972، وهي إشارة في غاية العمق أن تحضر بغداد مقرون بالبصرة، وأن نهر دجلة ليس النهر الوحيد الذي يربط بغداد بالبصرة، بل إن نهرا آخر من الحياة لايزال يعاند التيار، فيصب إبداع البصرة وفنها في قلب بغداد.