اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
مزق الدستور ياأبي
مزق الدستور ياأبي
 عامر بدر حسون
amerbhassoun@gmail.com
تتابع ابنتي نوار، من وراء البحار والقارات، صفحتي على الفيس بوك. وقالت لي قبل فترة انها ترى بعض العصبية والتوتر في كتابة منشوراتي.. فقلت لها ربما كان السبب استغرابي الشديد من المتظاهرين الذين يطالبون بالغاء الدستور.. وهو الوثيقة الوحيدة بين ايدي المواطنين التي تحفظ حقوقهم ومستقبل ابنائهم. قلت لها انني اشعر بالعجز عن فعل شيء لانني اعرف انهم لو قرأوه لرأوا كم هو غريب ان تكون شعاراتهم ضد الدستور وليس باتجاه تطبيقه.
فقالت لي نوار: مزّق الدستور!
وأمام استغرابي قالت مزقه كما فعلت مع رواية "عالم صوفي"!
وبدأت تذكرني بما فعلته قبل سنوات. 
كنا عائلة صغيرة (زوجتي وابنتاي نوار وشهرزاد) وكانت القراءة في ليالي المنفى ونهاراته جزءا من المتع التي اعتدناها، وذات يوم جئت برواية "عالم صوفي" لـ "جوستاين غاردر" الى البيت، بعد ان قرأت في مكتبي جزءا منها، وحدثتهم عن هذه الرواية العجيبة فبدأ الالحاح على قراءتها، وبين حين واخر كانت احداهن تمد رأسها وتسأل: متى ستكملها؟ 
وخطرت ببالي فكرة، لأتخلص من هذا الالحاح، وسرعان ما نفذتها:
 لقد قمت بفصل الصفحات التي قراتها من الكتاب، واعطيتها لأم نوار لتتولى قراءتها ومن ثم تمريرها للبنات.. وهو ماحصل حتى نهاية الكتاب. وكلما كنت اقرأ خمسين صفحة اقوم بنزعها من الكتاب ويتم تمريرها وهكذا انجزنا قراءة الكتاب بوقت متقارب، وقامت أم نوار فيما بعد بترميم النسخة التي فقدناها في الترحال الدائم.
وها هي نوار تتذكر تلك الواقعة العائلية الطريفة وتطلب مني تمزيق الدستور علّه يُقرأ بنفس طريقة قراءة تلك الرواية!
عندما صدر الدستور بعد الاستفتاء عليه، فرحت به لكنني اخفيت فرحتي عندما قدمته لابنتي نوار، لتعطيني الرأي القانوني فيه ومقارنته بالدساتير العربية، (بحكم دراستها للحقوق) فأعادته لي بعد قراءته وهي تقول: النتيجة (واحد صفر)! فهو يتفوق على الدساتير العربية مجتمعة، وهو ايضا من نوع مختلف وجديد.
وبناء على نصيحة ابنتي، قدمت الدستور ممزقا.. جزءا جزءا، ليطلع القراء واصدقاء صفحتي عليه.. حتى ان احد الاصدقاء في صفحتي (وهو محام كما تقول صفحته) كتب لي على الخاص طالبا استشارة قانونية في قضية تخصه، ظنا منه أنني قانوني أو حقوقي، وصادف ان حلها كان في الدستور فاجبته، واعربت عن استغرابي كيف انه محام ولم يقرأ الدستور؟ فغادر صفحتي من دون قول مع السلامة!
وكتب لي صديق شخصي وليس (فيس بوكي) انه سيقرأ الدستور (لخاطري) كي يفهم سر حماستي ودفاعي عنه كأنه احدى ممتلكاتي الثمينة. ولا ادري ان فعل أم لا؟
ويبدو ان ماكسبته من خلال التذكير بالدستور، (عدا الانتقادات الثورية الحادة بحقي من اصدقائي الثوريين) هو استعادتي وابنتي ذكريات زمن لذيذ قضيناه في انتظار شروق شمس العقل على العراق والعرب، لكن هذا لم يحصل! فالكراهية والرغبة في الانتصار الساحق، تعمي العقل وتجعل الناس يبدون سكارى وماهم بسكارى، وطالما جعلت الكراهية والرغبة في الانتصار الساحق الناس يشتغلون ضد مصالحهم أولا!
علق صديق لي من قادة التظاهرات انه وجماعته لم يطالبوا بتغيير أو تعديل الدستور، وكلامه صحيح، لكن غالبية من اصوات التظاهرات كانت تهتف بسقوط الدستور. لماذا؟ لأن الحكومة والبرلمان لم يطبقا الدستور! وهو عذر اقبح من ذنب كما ترى القارئة اللبيبة (باعتبار القاريء اللبيب مشغول في التظاهرات)!