اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
سلام عمر.. التشكيل يحفظ ما أتلفته الحرائق
سلام عمر.. التشكيل يحفظ ما أتلفته الحرائق
عبد الزهرة زكي
 عادةً وفي أغلب المرّات التي أكون فيها في بيروت فإني أحرص على أن أزور الصديق الفنان سلام عمر في محترفِه الفني هناك، إنه بيته الثاني بعد محترفه الأول في الوزيرية ببغداد الذي غادره مكرهاً.
المحترفُ الفني البيروتي لسلام وحده تحفة فنية معمارية؛ إنه مبنى عتيق يعود إلى ما قبل مئتين وخمسين عاماً، في الجميزة قريباً من جسر شارل الحلو.
لكن استثمار المكان من قبل فنان تشكيلي يسبغ على المكان قيمة أخرى سيكون من فوائدها العرضية إدامة جمال المبنى وحفظه من سوء الاستخدام.
في الزيارة الأخيرة، وكانت قبل أيام في منتصف آب الماضي، لم اشأ التأخر طويلا عند سلام، برغم أن الزيارة مرتبة باتصال تلفوني مسبق. كان انهماك سلام بالعمل على أعمال جديدة هو الداعي لاختصار وقت الزيارة.
كان على طاولاتٍ متعددة في محترف سلام عددٌ من الصناديق الزجاجية الأنيقة، وكان ما يجمع هذه الصناديق هو احتواء كلّ منها على كتب لم تعد كتباً، إنها بقايا منها ما زالت تحمل رائحة احتراقها، حتى وإن كان هذا قد حصل قبل عقود أو قرون أو حصل الآن.
إنها محارق الكتب عبر تأريخنا والتي كانت دائما تشغل جانبا مهما من الأدب والسينما ومن التأليف الفكري، ولكن هذه المرة يستعيدها الفن التشكيلي برؤية أخرى يقدمها الفنان سلام عمر عبر هذه الأعمال.
وسلام عمر في عمله هذا كما في معظم أعماله يركّز على الأثر؛ إنه يستعين ببقايا الشيء الذي يهتم به لتعود هذه البقايا فشكّل جوهرَ عمله التشكيلي.
لقد كانت محرقة مكتبة جامعة الموصل قبل أشهر هي آخر هذه الجرائم التي ظلت تتكرر. كان الدواعش هذه المرة هم الذين أقدموا على حرق المكتبة، وكانت البشاعة تتركز بالكراهية العامة المتجهة من هؤلاء نحو الكتاب، أي كتاب. الصفة المجردة للكتاب كانت هي محط كراهية الدواعش، وهذا ما حدا بالمجرمين إلى تعمّد إحراق محتويات المكتبة بشكل عام ومن دون تمييز. تكفي صفة الكتاب ككتاب ليكون مشروعاً واجب الحرق من وجهة نظر العقل الداعشي وكراهيته.
في الصندوق الزجاجي الذي أراد به سلام عمر تجسيد هذه الواقعة السوداء كانت تختفي ملامح الكتاب المحروق المحفوظ في ذلك الصندوق.. ليس ثمة ما يدلّ على هوية الكتاب. إنه أي كتاب من كتب جامعة الموصل التي واجهت (محرقة جماعية) تستعاد معها ذكريات (المقبرة/المقابر الجماعية) للبشر في الإبادات التي تعرض لها العراقيون.
فكما تختفي ملامح البشر القتلى في مقبرةٍ جماعية ولا تعود أيّة بقية من أيٍّ منهم. لا تحفظ الظروف سوى أثرٍ ما قد يبقى من قتيل، ملابسه، أو خاتم منه، أو هوية شخصية، أو رسالة بقيت حيّة في جيبه، بينما لا تسعف الظروف جميع القتلى لتحفظ لهم تلك الذكرى، فلا يعودون حينها إلا بقيةً عامة من بشر منصهرين جميعاً بمقبرة جماعية تدلّ على جميعٍ كانوا قد قُتلوا معا. هكذا تختفي الملامح عن كتب (المحرقة الجماعية)؛ تضيع العناوين، ومعها تضيع الموضوعات والأفكار والنصوص كما يضيع الحبر والأوراق، إنها بقايا جسد جماعي للكتب انتُزعت منه الحياة وغُيّبت عنه الروح حيث أُحرق هذا الجسد.
كتابُ جامعة الموصل المحروق في صندوقه الزجاجي هو، في كنايةٍ أخرى يقدّمها التشكيل، استعادةٌ حيّة لروحِ (الجندي المجهول). ففي معظم النُصب التي تعتمدها الشعوب تقديراً ووفاءً لجميع ضحاياها من الجنود يميل النحاتون والمصممون للنصب إلى تقديم بلاغة تجريدية تكون وافية بهذا القدر وذاك للتعبير عن روح الفكرة، فكرة تكريم ضحايا بصفتهم الإطلاقية الجامعة. هكذا يأتي ترتيب صندوق كتاب الموصل بين صناديق كثيرة وضعها الفنان عن مراحل مختلفة مرّ بها الكتاب العراقي في مواجهته جرائم الحرق والاتلاف.
سلام عمر الذي يعنى بالأثر يهتم كثيرا بالطابع التصميمي لأعماله المختلفة. لعل التلازم دائما بين هذه الثنائية هي من خصائص هذا الفنان المخلص لعمله. سلام عمر يبتدئ هذه الصناديق الزجاجية بصندوق تغيب عن محتوياته الطبيعة الورقية المحترقة؛ ففي هذا الصندوق المميز اعتمد الفنان أثرا ترابياً ومعه بعض حجرٍ. إنه ليس بقايا كتاب، إنما بقايا من الواح كتابةٍ سومرية كانت هي الأخرى قد تعرضت على مدار التأريخ لجرائم الإتلاف والاغراق، ودائماً على أيدي الكراهية التي تتجه بعدوانيتها نحو الكتاب بوصفه حامل الحضارة وصانعها.
الكتابُ العربي العباسي هو الآخر يجري حفظ ذكرى محارقه المتعددة ولكن بعدد من الصناديق التي لا تخطئ بينها إشارات لكتّاب ومؤلفين بعينهم ولكتبٍ معينة كانت قد واجهت محنة التدمير فتعرضت للحرق والاتلاف من قبل العقل المتعصب المتشدد في رقابته وفي كراهيته للثقافة ولتنوّعِها وحريّتها.
ثمة صندوق آخر مميّز بين الصناديقِ الزجاجية، كان صندوقاً ضمّ ورقاً مفروماً. تحتفظ قطع الورق المفروم بألوانها وبحداثة مادتها الورقية، كما تحتفظ بالطابع التقني الصناعي لعملية الفرم التي تعرضت لها. هذا الصندوق يستعيد رمزيا ذكريات المنع، منع الكتاب واخضاعه للرقابة الصارمة وتعرض مؤلفات كثيرة للاتلاف أو للحجر عليها في المكتبات العامة أو دور الكتب ومنع تداولها خلال عقود الدكتاتورية. يستعين الفنان للتعبير عن ذلك باعتماد المغزى القار في خزين الذاكرة الجمعية عن الفرم الذي واجهه معارضو الرأي والسياسة في تلك العقود، وهي كناية أخرى من كنايات صناديق سلام عمر الزجاجية.
إنها صناديق يريد الفن من خلالها حفظ ما كان قد أرادت الكراهية والتشدد اتلافه وحرقه.