اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في الجد
 
هكذا أدرب نفسي
هكذا أدرب نفسي
 جواد غلوم
ليس من عادتي أن أهدر وقتي في عبثٍ لامبرر له، لابدّ أن اشغل نفسي مع ما يحيط بي من أشياء كثيرة لاتحصى وأعبئ الفراغ بما هو نافع وممتع ولا أحبّ ان أؤجل عمل اليوم الى غد او بعد غد- كما يقول المثل- فتأجيل المهمات شطبْتهُ من معجم حياتي منذ صغر سني مثلما لا أحب ان اسبق العمل اذا لم يحن أوان ترتيبهُ بعد، أما الكسل فهو عدوي اللدود ولو كان الأمر بيدي لحذفته من لغات العالم كلها ولا اتذرع بحرارة الجو أو برودته أو اعتداله لتسوية أمر معين بعد حينٍ، خاصةً في طلب العلم والاستزادة منه فانا مع شاعرنا العربي الذي  يقول:
اذا كان يضنيك حرّ المصيفِ        وكرب الخريف وبرد الشتا
ويلهـيك حسـن زمـان الربيع      فأخـذُك للعـلم قـل لـي متــى
شعاري مذ عرفت قيمة العمل ان أكيّف نفسي فيما ينفعني وينفع الناس ولا يهم العمر طال أم قصر. فلنعش طالما احببنا الحياة بكل مباهجها ورضينا بما قسم الله لنا من أمدٍ نقضي فيه هذه الدنيا، نعم قد نرى فيها الكثير من المغاليق والأسوار، لكننا لابد ان نتسلقها وننعم بثمار هذا البستان وارف الظلال، الوافر بالخير والبركات وبأيدينا وبعقولنا نفتح أبواب الحياة من خلال اختيار المفاتيح الصحيحة لفك مغاليقها، نحن لانبقى أبدا في هذه الدنيا؛ لذا على المرء ان يضع قدميه في ارض لينة الثرى ويحدث أثَرا كي يقال ان هذا قد ترك شيئا نافعا خلال مروره الخاطف في طريق الحياة السالك والوعر معا.
كثيرا ما يأخذ مني التعب مأخذا بسبب الإجهاد لرجل  كبير السنّ مثلي فأسترخي على مقعدي أو أتمدد على سريري غير نائم فلا يهدأ لي بال حتى اسمع شيئا من موسيقى أو مغنى آسر أروي ظمأ روحي العطشى وإذا مللت الكتاب وضعفت عيناي من طول القراءة أطرحه جانبا بعض الوقت ولا أملّ من الاستماع الى لحن راقٍ أو ترتيل يشدّ ما تراخى في داخلي ولا أعبأ بكلام الآخرين ولومهم - وبالأخص زوجتي- حين أسمع منهم كلمة: ألا تهدأ؟
وإذا صفا ذهني وهدأت سورة الحزن في داخلي أنزوي في غرفتي وأبدأ بالتفكير والتأمل في كل شيء يتراءى أمامي أو يشغل بالي وكثيرا ما ألوذ بالقرآن الكريم وأغوص في بلاغته وسبكه اللغوي المذهل وإعجازه الأدبي الذي لانظير له وأتدبّر آياته وأنهل من معينه، خوفا من ان يتحجر قلبي وطمعا في زيادة ثروتي اللغوية فهو مائي الرائق وزادي الدائم وزوادتي في سفري المستمر في رحلات العقل حين تتلاطم الأفكار في رأسي. 
فما أجمل أن يقترن العلم بالعمل والكسب الحلال ولابدّ للمرء ان يضع لبنة مهما صغرت في بناء الحياة لأجل اعمارها، لأننا نبني أنفسنا لكي نسهم في إضافة شيء للحياة، فإذا كان في يد أحدكم فسيلة فليزرعها أو لبنة فليرصّها مع مثيلاتها حتى لو كنت في النزع الأخير من العمر ولاتمتثل لما يقال: اذا متُّ ظمآنا فلا نزل القطْر!