اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
مدينة الثورة خزانة ملاى بذكريات النضال والوعود والعلامات الفارقة
مدينة الثورة خزانة ملاى بذكريات النضال والوعود والعلامات الفارقة
عبد الجبار العتابي
 هي ملآى بالحسن، ولا يحسّها بحسنها الا من (تدحرج) في طرقاتها وعاينت عيناه اصطفاف بيوتها الملتمة على نفسها وسمع أحاديث الناس الشتى ونغمات لهجاتهم واستنشق الطيبة التي تفوح من ثناياها، فهي مدينة طيبة مثلما هي مدينة عظيمة. 
مدينة من ذهب
مدينة من ذهب وفضة ونحاس وعجب وشعر واغنيات وكرة قدم ومحبة ومتعة وكرم، وهي خزانة ملآى بالرجال والنضال والعلامات الفارقة للتميز والاهمال، وعليك ان تعرف انها اكثر المدن التي نالت عذابا وقدمت شهداء وقاست من العناء ما لم تقاسيه مدينة غيرها.
   مدينة الثورة.. هي هذه المساحات الشاسعة الملتمة قطاعات وهي هذه الطرق الراكضة ابدا في الاتجاهات وهي هذه الساحات الدائر  فيها لعبها وجدها والمتوقف عندها قارب احلامها تسبح في بحر من الناس الممتزجين ببعضهم. وحين تحاول ان تشم رائحة المدينة لا تعرف لها عطرا معينا فهي تغسل جسدها كل ساعة بعطر وتستحم كل ساعة بموجة من ناسها، ولن يكون هنالك تقزز بل سترتوي كل خلاياك الحسية بعطر المحبة، تراص البيوت واكتظاظها والبساطة والطيبة التي تزين واجهات البيوت هذه وتنسج الجمال على قسماتها، ومن العجب ان هذه المدينة بكل ما تحمله من صفات المدينة الشعبية الكبيرة الا انها تسعى نحو الرقي بكل اشكاله، لكن قدرها ان عدم الاهتمام بها يرافقها على مرّ الحكومات المتعاقبة وكلما ارادت ان تقفز سحبتها الى القهر حبال اللامبالاة بها، وقد يقال انها بعد عام 2003 تغيرت .. وتغيرت.. وتغيرت، لكنما الأوجاع المزمنة فيها ما شفيت ولا عولجت، بل ارغمت على تتلوى وجعا وتمارس طقوسا ومفاهيم جديدة .
أول الأرض..
    ماكانت هذه الأرض من قبل سوى أرض زراعية تقع ضمن المقاطعة (4) الوزيرية، وابان العهد الملكي وازاء تزايدت اعداد الهاربين من جور الاقطاع في محافظات الجنوب كانت بغداد مآوى الناس وكانت بالتحديد في منطقتين: الأولى في منطقة الشاكرية في الكرخ (كرادة مريم حاليا) والثانية في منطقة العاصمة في الرصافة (المنطقة المجاورة لمحطة تعبئة وقود الخلاني)، ومع ازدياد هذه الأعداد الوافدة الى العاصمة قامت السلطات بتخصيص المقاطعة رقم (4) للوافدين من الرصافة وتخصيص المقاطعة (22) الصابيات لاهالي الشاكرية (مدينة الشعلة).
    وبعد قيام النظام الجمهوري عام 1958 جرى بناء اول مجمع سكني لموظفي الدولة بمعدل ألف دار وحصل تأجير هذه الدور لشاغليها باجور رمزية، وهذه المنطقة هي الان مدخل مدينة الثورة ومقابل قطاع رقم (1) بدلالة جامع سيد حسين الان وكانت المدينة تابعة من حيث السلطة الادارية والخدمات لقضاء الرصافة، وقد حملت المدينة اسم (الثورة).
خطة انفجارية ولكن
  مرت السنوات والمدينة تحاول ان تشكل نفسها وان تقيم لها مكانا يرتفع عن مستوى خط الفقر قليلا وان تمسح عن وجهها غبار الغربة الذي بات يلفها ولكن من دون جدوى، فالاحداث السياسية تلقي بظلالها على المدينة ، وفي عام 1965 زار أحد المسؤولين في حكومة عبد السلام عارف المدينة بعد شكاوى كثيرة وطلبات هائلة وكل الذي جرى هو اصدار قرار بتسمية المدينة بـ (مدينة الرافدين) ومر وقت طويل والمدينة لا تملك من معين الرافدين سوى الاسم، ومع استمرار حالة الغيظ التي تعم المدينة بسبب الاهمال والاحتجاجات على واقعها المزري التفتت اليها الحكومة عام 1968 لتصدر قرار التمليك المرقم (344) في 26 / 10 / 1968 واصبح كل مواطن في هذه المدينة يمتلك (لأول مرة) سند ملكية (طابو)، لكن اسم المدينة تغير مرة أخرى حين زارها رئيس النظام السابق وسماها باسمه (مدينة صدام)، ولم تكن التسمية ذات فاعلية  فكل شيء ظل على حاله وكأن التسمية سياسية اكثر منها واقعية، فبقيت المدينة تعيش على هامش الدنيا وتعاني المرارات كلها، فجاءت الحرب العراقية – الايرانية لتخض وعاء المدينة وتجني زبدة شبابها ثم جاء الحصار الاقتصادي ليمنح ابناء المدينة الفقراء قسوة هزت مجتمعها وجعلته يركض وراء لقمة العيش بكامله وامتهن ابناؤها المهن التي لا تليق بهم وقد كاد الحصار  يجفف حياتهم، والغريب ان المدينة صارت عام 1998 ادارتين، الأولى تحمل اسم قائممقامية قضاء (القائد صدام) تضم ناحيتي (النخوة) و(الفارس)، والثانية تحمل اسم قائممقامية قضاء (صدام) وتضم ناحيتي (الفداء) و(بطل التحرير)!! وما ان بزغ فجر التاسع من نيسان 2003 حتى كانت المدينة تصرخ ابتهاجا بالفرح المقبل الذي سيكللها بورود الأمل ويزيح عنها ثياب التهميش ويمنحها السعادة التي افتقدتها لسنوات طويلة وقد محت اسمها السابق ومنحت نفسها اسم (مدينة الصدر) تيمنا بالشهيد (محمد محمد صادق الصدر) الذي استشهد في التاسع عشر من شباط عام 1999 وقد انتفضت حينها المدينة ضد قتلته فقمع النظام انتفاضة الناس بالعنف والقوة، لكن كان هناك السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، وقد تحولت المدينة المستسلمة للتغييرات السياسية الى واقع غابت عنه عيون المسؤولين، بل انها تعرضت للسيارات المفخخة والعبوات الناسفة اكثر من غيرها ، المدينة الان تتكون من قضاءين هما قضاء الصدر الأولى وقضاء الصدر الثانية.
جغرافية المدينة
تقع المدينة في منطقة الرصافة/ شرق بغداد، تحدها من الغرب قناة الجيش ومن الشرق خان بني سعد ومن الشمال شارع صفي الدين الحلي ومن الجنوب سكة الحديد التي تفصل بينها ومنطقة البلديات، وتقوم المدينة على ساحة كلية من ضمنها المساحة السكنية  وقدرها 63 كم مربع، اما عدد نفوسها وفقا لاخر احصاء سكاني عام 1997 مشتركا مع ناحية (فلسطين) التي انفصلت عنها في 2 / 11 / 1999 فيبلغ مليونين و380 الفا و414 نسمة، فيما يبلغ عدد سكان المدينة اليوم حسب تعداد موقع محافظة بغداد 2,995,750 نسمة، ولا يمكن لاحد ان يصدق الرقم فحتى ابناءها يتوقعون ان يصل الرقم الى اكثر من اربعة ملايين نسمة .
     والمدينة تتكون من قطاعات متشابهة في التصميم والمساحة عددها 79 قطاعا فضلا  عن قطاع  أنشىء بعد عام 2003 اطلق السكان عليه إسم (قطاع صفر) وهو قطاع عشوائي اسسه الناس لانفسهم بالقرب من معارض السيارات بالحبيبية، فضلا عن مناطق كسرة وعطش وجميلة وحي نواب الضباط والحبيبية والاورفه لي وحي طارق، وكل قطاع من هذه القطاعات يضم 30 وحدة سكنية وان معدل مساحة القطعة الواحدة لبعض الوحدات 110 امتار والبعض الآخر 126 مترا، ما عدا القطاع الأول الذي يبلغ معدل مساحة القطعة الواحدة 144 مترا على الاغلب، ويؤكد اهل المدينة انها هناك نحو (27) مجمعاً عشوائياً في محيط المدينة.
بيوت منشطرة
وانا ادفع نفسي في شوارعها اجدني اغني تلك الاغنية التي لأم كلثوم (امل حياتي) وتم تحويرها لتكون على مقاس المدينة (انا دورت عليك الثورة كل الثورة، حتى الجوادر والكيارة، وشارع ستين والخمسة وخمسين )، ارددها واحتشد مع الناس في اسواقها المزدحمة وأطل على كل ما امامي وعلى شمالي ويميني بتأمل خزنته في ذاكرتي، ففيها تستوقفني محالها التجارية، وملاعبها الترابية التي ما زالت منجم لاعبين وأرى الصغار وهم يرسمون طريقهم الى نجومية مقبلة وتمر في ذاكرتي أسماء عشرات اللاعبين الذين حفلت المنتخبات الوطنية بابداعاتهم.
هناك التقيت الشاعر جليل صبيح وسألته عنها فقال: كانت قطاعاتنا ومازالت عبارة عن 79 منجم ابداع مختلف العناوين والابداع بكل تخصصاته، لكن القطاعات اصبحت بيوتها كثيرة جدا بفعل الانقسام وبسبب شطر كل بيت لقطعتين أو ثلاث احيانا، لكن الشائع ان القطعة الواحدة أو البيت يقسم الى نصفين، بعضهم يقسمها بالمنتصف واخرون يجعلوها نصفين أمامي وخلفي، والخلفي يدخل اليه من ممر ضيق.
تسميات وخوشية
     في المدينة العريضة تستوقفني التسميات العديدة التي ركزت نفسها على العديد من الأمكنة فيها، وقد سألت وعلمت ان كل التسميات شعبية اطلقها التكرار والاعتياد والبساطة وربما الفكاهة ايضا، على سبيل المثال تسمية منطقة (الداخل) جاءت من شارع الداخل الذي كان أول شوارع المدينة ويعد مدخلها، أما تسمية (الجوادر) فجاءت من شارع الجوادر وهو المؤدي الى مجموعة من الخيم (الجوادر) لكتيبة الهندسة العسكرية التي كانت تقوم بانشاء البيوت، أما (الكيارة) فجاءت من شارع الكيارة نسبة الى مجموعة من الناس كانت تمتهن تقيير سطوح الدور، أما ساحة (55) التي هي اقدم الساحات واكثرها شهرة فأخذت تسميتها من رقم حافلة نقل الركاب التي كان خطها من الصالحية الى هذه الساحة، وهكذا هي التسميات الأخرى. التي اشتهرت ساحاتها، اغلبها تحمل اسماء اشخاص كانت المصادفة وحدها وراء ارتكازها كما في سوق (مريدي) وسوق (العورة) وساحة مظفر وغيرها.
اراني استذكر الكثير من أيامها وشخوصها واولئك الفنانين المطربين المجهولين الذين انطلقوا من بين عناءات المدينة.  واراني أرى طقوس الأعراس والختان والفرق الشعبية التي تبذل الكثير من التمثيل والغناء وتجمعات الناس المستأنسة بكل ما يحدث، فضلا عن ظهور حركات تواكب الموضة وتقلد ما يجري في العالم .
هناك ايضا التقيت الروائي شوقي كريم حسن الذي كتب ثلاثية عن المدينة ، فقال اولا: سكنها الفقراء من ابناء الجنوب الذين ترحمت عليهم السلطات لتشيد لهم واحدا من اكبر مجمعات الفقر والجوع في العالم.
وتابع: قبل ظهور (حركة الخوشية) بداية السبعينات.. كانت المدينة تحوي بعض الشقاوات الذين جاءوا من الشاكرية والعاصمة والميزرة وكانت المدينة لم تتعد بعد العشرة قطاعات أو  الى حدود ساحة 55 المباركة ولكن التوسع الذي حدث اظهر أنواعا أخرى من التجمعات ومعظمها اما سياسية تعني بالشأن الثقافي خاصة المسرح.. أو رياضي حيث اتحاد حبيب واتحاد فيوري، وبعد عام 67 19انفجرت المدينة لتقدم (الخوشية) وهي الحركة الأبرز التي استخدمها النظام السابق لتصفية مناوئيه.. ومن ثم قام بتصفيتهم اما بالاغتيال أو ارسالهم الى الجبهة.. الخوشية بدأت اعتباطية لكن النظام استفاد منها، أهم ميزاتها انها كانت تحترم المثقفين ولاتعتدي عليهم وتناصر كرة القدم.. ولاتسمح لغريب ان يمر بزقاق لمرتين.. والخوشي لايتحرش أبدا بابنة منطقته ويساعد كبار السن.
غبار التعب والاهمال
اكاد .. لا أرى شيئا من المدينة غير غبار التعب، اجد انني لم استطع ان ألم بكل تفاصيل حياتها، واتساءل كيف يمكنني ان ألم بكل هذه الأمواج المتلاطمة من الناس والأحداث والحكايات، لكنني حينما اغادر المدينة اجدني رغما عني انحني لكل عذاباتها ولدماء شهدائها ولصبرها الذي تخطت حدوده وقائع الصبر.