اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 عراقيون يصنعون الابتسامة من "دفيني" الى "غوث"
 سبية نجت من قبضتة داعش تروي لـ "الشبكة" ايام محنتها
 الشبكة تكشف ملابسات جريمة شاحنة الموت
 شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
 عراقيون يصنعون الابتسامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بانوراما
 
وتيرة غير مسبوقة لهجرة الشباب العراقي نحو اوربا
وتيرة غير مسبوقة لهجرة الشباب العراقي نحو اوربا
بشير الاعرجي
 "منذ وصولي للنمسا، وعطر الشاي العراقي المهيل لا يفارق انفي، أحب بلدي العراق لكني كنت مضطرا لمغادرته".
هذه آخر رسالة وصلتني من صديقي مهدي، الذي خاض غمار ومخاطر الهجرة قبل فترة قصير.
ولو سألت اليوم أي شاب عراقي ماذا تريد: سيجيبك بسرعة "الهجرة" والالتحاق ببقية الأصدقاء أو الأقرباء الى احدى دول اوروبا، التي استقبلت، خلال الأشهر القليلة الماضية، آلاف المهاجرين بطرق غير شرعية عبر الأراضي التركية.
فلماذا هذا الحلم، وما سبب استقبال دول غرب أوروبا لهذه الاعداد الضخمة من العراقيين، وكيف يجب أن تتعامل الحكومة مع هذا الاستنزاف للموارد البشرية، وخسارة البلاد لطاقات انفقت عليها الملايين لينتهي بها الحال لاجئة في دول أخرى؟. 
"الشبكة العراقية" تفتح اليوم ملف اللاجئين العراقيين الى اوروبا، لتكشف عن حقائق دفعت الآلاف من الشباب للمغادرة الى اراضي القارة العجوز.
أحلام مؤجلة
لغاية إعداد هذا التحقيق، وحمى الهجرة مستعرة برغم المخاطر التي تواجه المهاجرين، مع عجز واضح في وقف موجات السفر الى اوروبا. الشباب يجمعون مبلغ 10 الاف دولار لدفعها الى المهربين مقابل مغادرة العراق، سيرة الهجرة لا تغادر الألسن، وربما يفسر ذلك انخفاض نسب إقدام الشباب العراقيين على الزواج، وتأجيل معظم المشاريع المستقبلية، فالأخبار التي تأتي من اوروبا عن المهاجرين، تختلف كليا عن تحذيرات الجهات الرسمية بأن حكومات اوروبا تتعامل بقسوة مع العراقيين، والذين سيصبحون خلال سنوات مواطنين فيها يتصدون للأعمال الشاقة التي اعتاد عليها العراقيون من دون التفكير بسلامتهم.  
وتيرة غير مسبوقة
وزارة الهجرة والمهجرين رصدت الظاهرة اذ قال وكيل الوزارة اصغر الموسوي، ان "هجرة الشباب العراقي خلال الأشهر الثلاثة الماضية ازدادت بوتيرة غير مسبوقة، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، واغلب المهاجرين هم من النازحين".
واضاف الموسوي لـ"الشبكة العراقية": ان "سياسة بعض الدول الأوروبية كانت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي جاذبة للمهاجرين من فئة الشباب، خصوصا الكفاءات أو الذين يمتلكون القدرة على الأعمال الفنية الدقيقة، لكن في الوقت الحالي لا اعتقد ان هناك ميلا من حكومات تلك الدول لاستقطاب الشباب، بسبب صدور قوانين صارمة بصدد الهجرة غير الشرعية، ومع هذا هناك دول تطلب الأيدي العاملة عن طريق تقديم طلبات العمل خلال منتديات الهجرة الدولية.
وعن اعداد المهاجرين خلال الفترة الماضية، قال الموسوي "طالما الهجرة غير شرعية، فلا يمكن اعطاء احصائيات دقيقة عن عدد المهاجرين، ولكن بالمجمل، فأي مراقب يلاحظ وجود زيادة خطيرة في اعدادهم". 
وبخصوص اجراءات وزارة الهجرة والمهجرين بشأن ما يتعرض له المهاجرون من اجراءات بعض الحكومات الأوروبية والتي يصفها البعض بالتعسفية ضدهم، قال "من الجانب القانوني نقر ان الهجرة غير الشرعية مخالفة ونعمل على مكافحتها، وينبغي ايضا توعية العراقيين بمخاطر تلك الهجرة، لكن مع هذا هناك حالة على الأرض يجب التعامل معها كحقيقة واقعة، وتتمثل بوصول الكثير من العراقيين الى أراضي دول اوروبا وبصعوبة بالغة، ولدينا لقاءات مقبلة مع مسؤولي دول عديدة لبحث اوضاع اللاجئين العراقيين، خصوصا طريقة التعامل معهم بشكل انساني".
من تركيا البداية
يؤكد اغلب من وصل الى احدى دول الاتحاد الاوروبي، ان قصص التهريب من تركيا عبر البحر أو البر متشابهة، والمبالغ التي يتسلمها المهربون شبه ثابتة، وهو ما يدفع للقول، ان هناك شبكات تهريب تعمل معا، وترتبط مع اجهزة الأمن في الدول التي يمر بها المهاجرون العراقيون.
قبل شهر من الآن، غادر صديق لي مع عائلته العراق، وبقيت على تواصل معه في خطوات رحلته التي بدأت من بغداد بالاتفاق مع مهرب له علاقات مع اشخاص متنفذين تصل مسؤولياتهم الى ضباط في شرطة اوروبا، واشخاص آخرين يمتلكون مركبات متنوعة ومترجمين، وكل حسب المنطقة والدولة التي يعمل بها.
تحدث صديقي واسمه مهدي وهو في الثلاثينات من عمره انه "بعد الاتفاق مع المهرب على تكلفة الشخص الواحد وهي 8500 دولار، نتجه بالطائرة الى اسطنبول، ومن ثم الى الحدود التركية البلغارية، وتحديدا منطقة "ادرنة" التي يبقى فيها العراقي لبضعة أيام، حتى يبدأ المهرب مهمته وبتوقيتات محددة تتعلق بعودة الأشخاص المسؤولين من مهمة سابقة الى واحدة جديدة".
واضاف "هناك وسيلتان: الأولى عن طريق البحر والأخرى عن طريق البر، وانا اخترت الطريق البري، لذا فقد تواجدت على الحدود مع بلغاريا خلال وصولي تركيا التي تجاوزناها مشيا على الأقدام لمدة 11 ساعة، لم ننل من الراحة إلا خمس دقائق لكل ساعة لنبقى في بلغاريا 4 أيام، ليتم تحويل قسط من المال الى المهرب".
وتابع بالقول "المحطة التالية هي الانتقال من بلغاريا نحو صربيا بالسيارة التي تكون مركبة نقل بضائع أو خضراوات، ويتم حشر المهاجرين فيها لمدة اربع ساعات داخل صندوق كبير، ويمنحونا قنينة ماء ومهفة، للبقاء على قيد الحياة طيلة مدة الرحلة التي تمر بمناطق وعرة، نشعر فيها بالغثيان والاختناق لضيق المكان وكثرة الأشخاص. لنصل الى مدينة حدودية، والبقاء فيها لثلاثة أيام من أجل تحويل دفعة جديدة من الأموال الى المهربين".
الملاذ الأخير
وفي استكمال للرحلة، قال مهدي "نستقل احدى السيارات لمدة 3 ساعات من صربيا مع مهرب جديد صوب هنغاريا، لنسير مجددا على اقدامنا مدة 45 دقيقة متخفين، ثم الانتقال بسيارة شحن، تأخذ طريقها بشوارع وعرة لمدة 5 ساعات من دون توقف، فهذه الدولة هي الأخطر على المهاجر، لان من تقوم الشرطة بالامساك به، معناه ان بصماته ستبقى في هنغاريا، ولا يستطيع العبور الى اية دولة أخرى، وتكون نهاية الرحلة مأساوية".
واضاف "بعد اجتياز هنغاريا، نصل الى النمسا، وهنا تتغير وجوهنا كثيرا، لان هذه الدولة تعتبر افضل مكان نصل اليه من بين الدول التي مررنا بها، وهي المكان الأفضل للاستقرار واللجوء اليه اذا ما فشلنا في الوصول الى المانيا أو بلجيكا، وها انا الان في هذه الدولة مع المئات مع العراقيين المحتجزين في مجمعات قبل عملية الفرز، وننتظر منحنا اللجوء".
 
خطط عراقية
قصة مهدي عن هروبه وعائلته الى النمسا برا، تختلف كثيرا عن الطريق البحري، فهناك خسائر بشرية كثيرة حدثت اثناء عبور المهاجرين من تركيا نحو اليونان، ومنها الى باقي دول اوروبا. والخطر يتمثل بالغرق على الرغم من التوقيتات الدقيقة للابحار تماشيا مع حالة البحر وارتفاع الأمواج فيه، لكن المشكلة تتعلق بعدم قدرة البعض على السباحة في المياه العميقة حتى مع وجود ما يساعد على السباحة.
حدثني صديق آخر اسمه فيصل، وهو لايزال في اليونان عن طريقة ابتكرها العراقيون في عدم تعرض المهاجرين الى الإبعاد عن تلك الدولة، وقال "حينما نعبر من تركيا عن طريق القوارب المتهالكة، يطلب المهربون منا النزول والسباحة قبل الوصول الى الساحل اليوناني، ويقومون باعطائنا قوارب هوائية صغيرة أو "نجادات" تكون كفيلة بايصالنا الى الساحل، وهناك تنتظرنا شرطة الحدود اليونانية التي تتعامل معنا بطرق تختلف الواحدة عن الأخرى".
واضاف "قبل الوصول الى الشواطئ، نقوم بعمل شق في القارب المطاطي لإفراغ الهواء منه، ومن ثم الادعاء بالغرق، لتقوم الدوريات البحرية اليونانية بانقاذنا والتعامل معنا بانسانية وبشكل يفرق عن الذين يصلون بالقوارب، ويستبعد اغلبهم عن تلك الدولة فيما بعد".
مافيات
العديد من الاشخاص فقدوا خلال عبورهم بحرا الى اليونان، وامتلأت صفحات الفيسبوك بصورهم، حتى ان هناك مواقع متخصصة بالهجرة غير الشرعية قد تم انشاؤها على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيها الكثير من المعلومات الدقيقة، ومنها تكاليف السفر وحالة البحر بين تركيا واليونان، واسماء وصور اشخاص مفقودين، وكأنها اصبحت نافذة العوائل على ابنائها المهاجرين، مع نصائح السفر مع مهربين عراقيين وليس سوريين.
وتحتوي تلك الصفحات ايضا على ارقام هواتف لوسطاء يقومون بتهريب المهاجرين. وفي هذا الصدد قال اثير، ويعمل وسيطا لتهريب العراقيين، ان "معلومات تلك المواقع صحيحة، وما تقوم به من نشاط يشابه جزءا من اعمالنا في تهريب الشباب الى اوروبا، والتي تغيرت الاساليب خلال الأشهر الأخيرة، لتكون تركيا هي بوابة الهروب".
واضاف "في السابق كنا نعتمد على تأشيرات دخول الى دول اوروبا على شكل سياحة، ونقوم في بعض الأحيان بتزوير دعوات المؤتمرات الدولية، وغيرها، غير ان أمن المطارات في اوروبا اكتشف هذه العملية، فأوقفناها، واستبدلناها بطريق تركيا عبر البحر أو البر". واشار اثير الى "ان المثير في الأمر، ان الشرطة في صربيا وهنغاريا حيث يمر المهاجرون عبر اراضيهما يعتبرون الأفسد في اوروبا، ونقوم برشوتهم دائما لتسهيل مرور المهاجرين من دون التعرض اليهم"، واضاف "قيمة رشوة رجل الشرطة في صربيا هي 50 يورو للشخص الواحد، والغريب انهم يعرفون ان المهاجرين سيبقون لبضعة أيام وبعدها يغادرون من دون أي مشاكل، ومع هذا يبتزونهم". وتابع بالقول "هناك جهات متنفذة تقوم بعمليات ضخمة للتهريب، وانا متيقن ان وراءها مافيات اشترت ذمم الكثير من رجال الأمن في دول اوروبا".