اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 عراقيون يصنعون الابتسامة من "دفيني" الى "غوث"
 سبية نجت من قبضتة داعش تروي لـ "الشبكة" ايام محنتها
 الشبكة تكشف ملابسات جريمة شاحنة الموت
 شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
 عراقيون يصنعون الابتسامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بانوراما
 
بين قوارب الموت والبحث عن اوطان امنة
بين قوارب الموت والبحث عن اوطان امنة
كريم زاهي
 تنشر شبكات الإعلام العالميّة بين حين وآخر، أخباراً عن جثث لمهاجرين شرق أوسطيين ينتشلها خفر سواحل أوروبيون، هم ضحايا مافيات التهريب الذين قادتهم حظوظهم العاثرة للاتفاق معهم بغرض الوصول للجنة الموعودة.. لكن بقوارب غير صالحة للإبحار.
وتتحدّث الإحصائيات الرسميّة لتلك البلدان عن زيادة غير مسبوقة في أعداد طالبي اللجوء لهذا العام نسبة للأعوام التي سبقت، إذ أن عدد من حطّوا على سواحل الجزر اليونانيّة في أسبوع واحد، قادمين من الموانيء التركيّة، فاق مجموع كلّ من سبقوهم خلال ستّة أشهر من العام الماضي. وهي زيادة خطيرة عجلّت بأتخاذ إجراءات من طرف دول الإتحاد الأوروبي للحيلولة دون توافد المزيد من أعداد المتسللين التي لم تعد تستوعبها مخيّمات اللاجئين القادمين في الأغلب من سوريا وأفغانستان والصحراء الإفريقيّة الكبرى، والعراق طبعاً.
ويذكر لنا التأريخ القريب واحدة من أكبر كوارث غرق قوارب المهاجرين، وذلك خريف عام 2002، حين تمّ الإعلان عن فقدان 350 طالب لجوء عراقياً في المحيط الهندي، كانوا في طريقهم إلى السواحل الإسترالية. ثم توالت أخبار الغرقى، حتى اختتمت بحادث غرق آخر سفينة في المحيط ذاته، كان ضحيته خمسون عراقيّاً كانوا ينشدون نهاية أكثر معقوليّة. وبعد أن صار اللجوء متعسّراً في استراليا، فقد تحوّلت بوصلات الأخبار من المحيط الهندي وسفنه إلى بحر إيجة وقواربه المطاطيّة، لتنقل لنا أخباراً جديدة عن قوارب الموت غير الملائمة لحمل الحشود التي تفوق استيعابها، فصيّرتهم طعاماً للأسماك.
لقد نشأ جيل الرواد من عراقيي المنافي الأوروبيّة منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، بالتزامن مع الهجمة الشرسة التي تعرضت لها القوى الوطنيّة آنذاك وبداية حرب الثماني سنوات، ثم جيل مخيّمات الصحراء السعوديّة الذي وصل بمبادرة من الأمم المتّحدة منتصف التسعينات، وجيلٌ آخر بدأ بالنزوح مع بداية الفوضى التي عمّت البلاد بعد التغيير، وهي الأجيال الرئيسة التي شكلّت الجاليات العراقيّة في دول المنافي الغربيّة.. ثمّ جيل الناجين ممّن لم ترعبهم فكرة المياه العميقة.
فبعد أن تعسّر الوصول إلى بلدان الهجرة بطرق تزوير الجوازات التي كانت سائدة قبلاً، وتشديد مطارات دول الإتحاد الأوروبي إجراءات دخول أراضيها، صارت الطرق المتاحة للوصول هي التسلل عن طريق البحر، ومن ثمّ السير لمسافات طويلة اعتماداً على خرائط الـ GPS ومنظومات الإستغاثة البحرية Emergency Beacons التي تستخدمها السفن في حالة الطوارىء EPIRB، أو تلك التي يستخدمها الأفراد PLB، وشبكات النت واتّصالات الموبايل المحوّلة دوليّاً، وبمسالك تتغيّر بين الحين والآخر، في تحديثات يتم تداولها سرّاً في صفحات التواصل الإجتماعي.
إن هذه الطرق التي تعتبر غاية في الوعورة، وقوارب المطّاط التي ترمي بحمولاتها في البحر بين حين وآخر، ومسيرات الغابات والجوع والتعب ومطاردات شرطة الحدود وما إليه، كلّها لم تثن طالبي البحث عن أوطان بديلة عن السعي لذلك، بعد أن صار العيش في المناطق المنكوبة أشبه بالمستحيل بالنسبة لمن يمتلكون توقاً زائداً للحريّة. مغامرون غير مكترثين للمخاطر، يحملون روح الروّاد الذين حلموا بكنوز الألدورادو، والقارات غير المستكشفة.
ولغاية إعداد هذا الموضوع، فقد أعلن عن عدد الذين تم انتشالهم من البحر بسفن إنقاذ تابعة لدول الإتحاد، وخلال 24 ساعة فقط، إلى 3000 شخص. بينما وصل عدد الغرقى في تأريخ البحر المتوسط عموماً ومن أفريقيا وحدها، إلى أكثر من 17000 حالم. وفيما تتحدث وكالات أخبار عن شاب سوري قطع المسافة سباحة في ست ساعات، وهو لا يحمل سوى جواز وهاتف محمول وقلم ليزر، فقد أظهرته إحداها وهو يروي قصة مغامرته الفريدة تلك من وسط مدينة (هامبورغ)!
إن تجارة تهريب البشر التي تقودها مافيات عالمية، فاقت سواها من المهن، خصوصاً بعد أن دخل تنظيم داعش في المضمار، وصارت مدخولاته تعتمد في جزء كبير منها على هذه المهنة السهلة، سواءٌ بأموال التهريب، أم تجارة الأعضاء البشرية لمن تقودهم حظوظهم العاثرة إلى مباضع جرّاحي التنظيم. ففي الكثير من الحالات تُقاد قوافل الراغبين بالهجرة، إلى منافي سرّية معدّة لهذا الغرض. 
وفي مجموعات خاصة على الوسائط الإجتماعية، حيث ينشط المهربّون الإلكترونيّون، ويعرضون خدماتهم بكل أريحيّة، يحذّر أصحاب تجارب سابقة من التعامل مع هذا أو ذاك مفضّلاً سواهم، وواضعا الخطوط الهاتفية الساخنة على الواتس أب والفيبر لكل من يقترحه بديلاً. بينما يضع مديرو هذه المجموعات، مخطّطاتٍ تفصيليّة معزّزة بالخرائط عن الطرق المقترحة والفروقات بين خدمات المهرّبين، وكيفية التصرّف مع الأموال المودعة في مكاتب التأمين لضمانة الوصول (هنالك مكاتب شبه علنيّة لهذا الغرض كما فهمت، ولها تقاليدها الراسخة)، ثم شروحاً تفصيليّة للطريق، انطلاقاً من موانيء تركية معيّنة، صوب أقرب الجزر اليونانيّة، ومن ثم طرق التنقل مابين اليونان ومقدونيا وصربيا وهنغاريا والنمسا، وصولاً إلى ألمانيا، تفاصيل دقيقة لحركة القطارات والحافلات والبواخر وأسماء للفنادق وأصحاب سيارات الأجرة وأماكن الراحة، وهو الطريق الذي سلكه مئات الآلاف من طالبي اللجوء هذا الصيف، من أفلح منهم بالوصول، أو أولئك الذين أخفقوا بعد أن لم يعُد الأمر خافياً على السلطات في دول المرور تلك.  وبعد أن كان السوريون ينتحلون فيما مضى هوية عراقية لضمان الحصول على لجوء، أصبح الأمر معكوساً، ففي صفحات تواصلهم الاجتماعي التي يزودك أعضاؤها بمجريات الأمور الآنية من حالة البحر وسرعة الرياح وارتفاع الموج ومدى الرؤيا وما إليه، تنتشر وصايا وتعليمات الذين سلكوا الطرق البريّة، لآخرين هم في نيّة الشروع، وتزوّدهم بأرقام خفر السواحل في حالة حصول مشاكل القوارب، ثمّ تطبيقات الهواتف النقالة من خرائط وأنواء جوية ومواقع تواجد السفن في عرض البحر، وحتى برامج التواصل الصوتي الآني. وفي واحدة من هذه (الكروبات)، يطرح أحد الأعضاء، باسم مستعار طبعاً، سؤالاً، وهو يضع صورة لخارطة جوجل المكانية:
- شباب هون نزلنا الباص كيف رح نطلع على صربيا؟
 فيجيبه آخر في نفس المنشور: 
- روح باتجاه الغرب عبور الأراضي الشجرية بعد 400 متر في طريق ترابي ابيض روح ع اليمين ع الطريق الترابي في ضيعة اسمها سلانيشته طلاع بسيارة الى ضيعة اسمها لوجان ومن هونيك تابع مع الكروبات
ويكتب له آخر: 
- امشي عالسكه وبتلاقي في طريق نزول بين الشجر
ويجري باقي الحوار هكذا:
- أخي انا البارح قطعت هاد الطريق
- اوكي شفنا طريق الترابي صديقي يسلموا
- في قمح محصود؟
- في جامع اول الضيعة أخي نحنا لقينا الجيش الصربي وهوا دلنا
وبعد بضعة أيّام، ستجد المستغيث نفسه، وقد نشر صورته وهو في إحدى ساحات أوروبا الغربيّة، مبتسماً وملوّحاً بعلامة النصر.