اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
دروع وشهادات
دروع وشهادات
 حسن العاني
تحت يدي مليون دينار، استطعت توفيرها بعد ثمانية اشهر من اعداد ميزانية منزلية متقشفة، والعمل تحت شعار (شد الأحزمة على البطون) وبي حاجة كبيرة الى توفير ثلاثة ارباع المليون دينار بصورة عاجلة لان موعد اجراء العملية الجراحية في احد المستشفيات الأهلية بات قريباً جداً، ولكوني اتحرج أو استحي على وجه الدقة من الاقتراض، وان كان المقرض أخا أو صديقاً أو قريباً، فقد فكرت في حلّ يحفظ لي ماء وجهي، وذلك بان ابيع بعض حاجيات البيت، وحين عزمت على ذلك، تنبهت الى ان كل حاجة لها دور، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولعل الاستثناء الوحيد هو (التلفزيون) وآية ذلك ان البلد اصبح يمتلك مئة فضائية، خمسون منها تقول ان درجات الحرارة ليوم غد (42) مئوية، وخمسون تزعم انها (24) مئوية، أما الحقيقة فهي ان حرارة يوم غد (36) درجة مئوية، ولكن المشكلة ان احداً لم يدفع بتلفازي اكثر من (300) الف دينار) في حين اشتريته بمبلغ (800) الف دينار!!
وانا منهمك في البحث عن حل، تذكرت فجأة انني احتفظ في دولابي بعشرين درعاً، ومعها بالطبع عشرون شهادة تقديرية (للامانة التأريخية.. العدد هو 21 درعاً مع 21 شهادة) حصلت عليها عبر مسيرتي الصحفية من وزارات ومؤسسات رسمية ونقابات وفرق فنية وكليات وصحف ووكالات أنباء.. الخ، تقديراً لجهودي المتميزة في خدمة الوطن والكلمة الحرة الشريفة!! فلماذا الحيرة؟ اعرضها للبيع وادفع اجور المستشفى واحتفظ ببقية المبلغ لعاديات الدهر، ولأن الدروع المصنوعة من الزجاج أو النحاس كانت بتصاميم فنيّة مذهلة، وتصلح –لاغراض التباهي- أن توضع في أي مكان، لتزيين غرفة الضيوف أو الهول أو النوم أو المطبخ، فقد ارتأيت بيعها بمبلغ معقول وهو 25 مليون دينار، وهذا الرقم هو الذي طلبته فعلاً وأنا اعرض دروعي وشهاداتي التقديرية على صاحب محل كبير لبيع الهدايا والتذكارات، موضحاً له في الوقت نفسه، ان هذه الدروع تحفٌ لا أحلى ولا أجمل منها، ثم انها ذات (قيمة) معنوية واعتبارية ولا تقدر بثمن، وان مبلغ 25 مليون دينار، يعد مبلغاً تافهاً لولا انني بمسيس الحاجة اليه، وشرحت له بالتفصيل الممل حالتي الصحية وحاجتي المستعجلة الى نصف مليون دينار، التي لولاها ما عرضت تأريخي ودروعي وشهاداتي للبيع!
تعاطف الرجل معي كثيراً، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم مدّ يده في جيبه واخرج حفنة من الدنانير ودسها في جيبي وأنا أشكره وأعرب له عن عظيم امتناني لانه انسان رقيق ومثقف، وادرك ان بضاعتي تستحق الاعتزاز والتقدير، وحين اخرجت المبلغ من جيبي اكتشفت انه (عشرة الآف دينار) فقط، وثأرت ثائرتي وجنّ جنوني، ولكن الرجل كان هادئاً وغاية في التهذيب وهو يردّ عليّ "استاذ.. بضاعتك لا تساوي فلسين، ولا أحد يشتريها منك بدينار واحد، وأنا لا أريدها، إحتفظ بها في بيتك، أما العشرة آلاف دينار فهي مساعدة لانسان محتاج مثلك!!" من الصعب أن أصف مشاعري وحالتي النفسية، ولم اشأ توجيه العتاب الى الرجل، فهو أدرى بعمله وبالبضاعة التي يتعامل معها، ولكنني أعتب على الذين اغرقوا بيتي بدروع وشهادات ظهر انها لا تساوي فلسين!!