اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
صورة الكاتب
صورة الكاتب
كاظم حسوني
 القراءة المتواصلة تجربة من شأنها ان تستوقف القارئ الحقيقي احياناً أمام بعض الكتب ذات الأهمية التي تجعله يستشعر بأنها تكوينات حية، وحقيقية مكتنزة بالحياة والمعنى، لما تمنحه من فرصة للقارئ لتعميق الوعي وحرية التخيل.. كتب تجعلنا نتساءل ونحلم ونفكر اكثر، كما انها تقربنا من انفسنا، وتبصرنا بحقائق مغمورة وخافية عنا.. وطبعا لا يتأتى ذلك الا بعد تراكم خبرة القراءة، وتوسع أفق التفكير والمخيلة، ما يدفعنا للانحياز لمتابعة الكتاب الأشد حضورا وابداعاً، لقلة مختارة من الكتب من بين عشرات الكتب المزدحمة بأسماء المؤلفين في مكتباتنا الشخصية، والمكتبات الأخرى، تلك القلة تضحى مع الوقت، وتعدد القراءات، الأقرب الى نفوسنا، والأكثر دفئا وصداقة لنا، الا ان تعرفنا على أفكار كتابها، والاطلاع على اسرارهم أو خبايا عوالمهم، يقودنا الى اكتشاف حقيقة تبدو محيرة ومثيرة للكثير من التساؤلات عند تأملها، تفصح بأن العديد من اولئك الكتاب المبدعين خاصة، تدور مجمل كتابات كل واحد منهم وتراوح بفضاء فكرة واحدة! يكرر العزف على ايقاعها بتنويعات متباينة، وبعبارة أدق، نجد ان كل منهم تعذبه وتأسره حقيقة واحدة متجددة، يحاول الكاتب ان يعيد اكتشافها، واكتشاف الأشياء من حولها، من دون ان تفقد طاقاتها في الحضور عنده، لتأخذ لها ألواناً مختلفة وابعاداً عدة في مؤلفاتهم المتعددة، لكنهم يلجأون للتمويه عليها بأقنعة الفن، واشكال الصياغة المعمارية، لكن بوسعنا عند التمعن ابصار ماهية الصورة، وسماع بوح الكاتب بجوانب منها في هذا المنجز أو ذاك من كتبه، مثلما تتضح للقارئ رغبة الكاتب في اعادة صياغة الفكرة ذاتها، او جزء منها في كل اصدار جديد له! من دون ان يتعب أو يكف، كما لو ان هوسا ذاتيا، أو عقدة مهيمنة يصعب التحرر منها تكبله وتغويه، لان ابداعه يقوم عليها، فهذا دوستويفسكي لا تفارق الجريمة رواياته، وكافكا يستبد بأبطاله الخوف دائماً من القوى المجهولة والغامضة، وكازنتزاكي لا ينتهي الصراع لديه بين الأفكار المجردة والحياة بقوة زخمها، ومحمد خضير لا يخلو الكثير من قصصه من ثيمة الغياب، لعل ذلك كله يأتي منسجماً مع المقولة الشائعة بأن الكاتب مهما تعددت كتبه يظل طوال حياته يشتغل بتواصل سعياً لتجسيد فكرة واحدة لا تغادر خياله بقوة حضورها الدائم!..