اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
المغامرون بأعمارهم
المغامرون بأعمارهم
 نرمين المفتي
على مدى السنوات التي أعقبت نيسان 2003 كتبنا وحذرنا بأن الفساد يشكل الإرهاب الأول في العراق يمنتج مختلف أشكال العنف والظروف غير الطبيعية وأذكر انني نشرت مقالا عن إرهاب الفساد، قلت فيه أن العراقي- الناخب بدأ بالعين المجردة يميز الفاسد والمفسد عن غيره وليس منطقا ان يستمروا ارضاء لان المحاصصة تفرضه.. ولكن، استمر الفاسد الذي أوصل البلد إلى ما هو عليه وأصبح كل شاب وكل رب أسرة يفكر بالهجرة باحثا عن حياة أفضل أو ممكنة في الأقل، وجاءت التظاهرات لتضع النقاط على الحروف وتخلق الفرصة الأخيرة للاصلاح والخلاص. مع التظاهرات، نشر خبر غرق زورق كان يحمل مهاجرين غير شرعيين قبالة سواحل اليونان وغرق غالبية ركابه وبينهم 17 شابا عراقيا.. والمشهد ليس بحاجة إلى تفسير أو سؤال شباب يغامرون بأعمارهم للوصل إلى حياة ممكنة، ربما وهم يعرفون مسبقا ان نتيجة مغامرتهم قد تكون الغرق، لكنهم يعتبرون مغامرتهم خلاصا سواء وصلوا إلى اوربا أم احتضنهم البحر غرقا. أين نواب المناطق التي ينتمي إليها الشباب الغرقى وقد يكون أحدهم قد اشترك في الانتخابات وصوت لمرشح علّه ينقذه من الضياع الذي (أهداه) اياه الفساد؟ لم نسمع حتى بصوت نائب يطالب بالتحقيق في الخبر ان كان صحيحا أو لا! واتراجع عن التساؤل متذكرة التهديد السويدي قبل سنوات باعادة لاجئين عراقيين " لتحسن الأوضاع في العراق " ورفض العراق اعادتهم بحجج مختلفة ولم يستح مجلس النواب حينها وطالب بعدم اعادتهم.
كلما نظرت في عيني ولدي الذي أسس أسرته الخاصة، أشعر بعتاب فيهما لا يعبر عنه بالكلمات، احتراما وربما تقديرا للظروف، فقد جاء إلى الدنيا في حرب وأصبح تلميذا في الابتدائية بحرب أخرى وصبيا في الحصار ومراهقا في حرب أخرى وطالبا جامعيا تحت الاحتلال وشابا وأبا في ظروف تشعرنا بالحياة وليس العيش وقطعا هناك فرق كبير بين الفعلين. ملايين مثل ولدي، يحيون اللحظة فقط، بينما الأثرياء الجدد الذين صنعهم العراقي- الناخب كانوا قد استمروا في امتيازاتهم دون التفات لوعود قطعوها قبل الانتخابات لولا المتظاهرون الذين قرروا تجاوز حاجز الخوف والمطالبة بالعمل على انهاء الفساد والمحاصصة بمختلف مسمياتها ( الوحدة أو المشاركة الوطنية). لقد خلق المتظاهرون أملا بعد يأس طويل، أمل يشكل الفرصة الأخيرة للخلاص الوطني من خلال الاصلاح الفعلي ومحاسبة الفاسدين ومحاسبة الذين شرعوا لانفسهم اميتازات هائلة وخلقوا فجوة بينهم وبين ناخبيهم وخلقوا طبقة منعزلة عن باقي المجتمع ، لابد من التمسك بهذه الفرصة للوصول بالعراق إلى بر الأمان، إلى وطن عابر للطائفية والعرقية وإلى وطن لا يرغم شبابه ان يغامروا بأعمارهم لأجل سراب.