اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
انواع الوزارات
انواع الوزارات
 حسن العاني
التغيير السياسي على وجه الخصوص، يحمل تحت جناحيه، جملة من التبدلات في القوانين والتشريعات والأنظمة، ولعل أبرز التبدلات، أو في مقدمتها تلك التي تتعلق بظهور مسميات مصطلحات جديدة، أو غير مسبوقة، فقبل 14 تموز 1958 لم يكن العراقيون قد سمعوا عبارة (العهد المبائد) أو (الزعيم الأوحد)، وقبل 17 تموز 1968، لم يكن أحد قد سمع تعابير على غرار (الأب القائد) أو (بالروح بالدم) أو (يوم البيعة) أو (الزحف) أو (حفظه الله ورعاه!!).
لم تجرِ الأمور على نحو مغاير بعد 9/4/2003 باستثناء إن التعابير أو المصطلحات الجديدة، أصبحت من الكثرة، بحيث لا يكاد المواطن يتعرف على خمسة منها حتى يجد نفسه أمام عشرة جديدة، فقبل هذا التأريخ لم يسمع المواطنون بالشفافية أو الكوتا أو هيأة النزاهة أو الفوضى الخلاقة أو الحكومة الاتحادية.. الخ، وهذا الانفجار الاصطلاحي أمر طبيعي، فالبلد كان مغمض العينين، لا هاتف خلوي ولا انترنيت ولا فضائيات.. عاش سنوات طويلةً تحت خط الدكتاتورية، محكوماً عليه ألا يرى ولا يسمع ولا يدري، إلا ما يقرره السيد الرئيس ويريده!!
إن هذا الكم الكبير من التعابير والمصطلحات، ما كان له ان يشيع في الشارع، وينتشر بسرعة البرق، لولا مئات الاذاعات والمطبوعات والفضائيات التي كانت تردده ليل نهار، حتى تعلمته الناس وحفظته وراحت تردده بدورها وكأنه أغنية الموسم، ولا أعفي نفسي من ذلك، وصار خزيني المعرفي يربو على 246 مصطلحاً أترنم بها كما أترنم بنشيد مدرسي، ولكنني أعترف بملء إرادتي، إنني اصطدمت بتعبير واحد، أو مصطلح واحد، أشكل على ذهني وفهمي برغم المحاولات الجادة والكثيرة التي بذلتها لمعرفته، ولكن من دون جدوى!!
هذا المصطلح على وجه التحديد هو (الوزارات السيادية)، فأنا أجهل ابتداء، هل ينتمي الى علم السياسة أم علم الادارة وتوزيع الوظائف؟ مثلما أجهل هل الوزارات مقسمة الى نوعين، وعلى أي أساس يقوم هذا التقسيم، هل على أساس طبقي، أم على أساس الجنس الذكوري والأنوثي؟ هل على فصيلة الدم أم على اساس اللون والبشرة؟ وسرح ذهني في تساؤلاته بعيداً، هل التقسيم على وفق الانتساب للأسرة أم العشيرة أم المدينة؟.. الخ ثم توقفت طويلاً عند سؤال من نوع آخر، فاذا كانت بعض الوزارات سيادية، فما الاسم المناسب للوزارات الأخرى؟ هل نطلق عليها إسما اعتيادية مثلاً أم ناقصة الأهلية أم وزارات من غير سيادة؟!
خبرتي الحياتية الطويلة جعلتني أعرف جيداً إن المواطنين ينظرون بعين الاهتمام والمحبة إلى الوزارات التي توفر لهم لقمة العيش والعمل والماء والكهرباء، وتبني المساكن والجسور وتعبد الشوارع وترفع الانقاض، وتشيد المدارس والمؤسسات الصحية وأماكن الترفيه، وخبرتي المهنية الطويلة جعلتني أعرف، إن وزارة الثقافة مثلاً في بلدان العالم المتحضر، هي الأهم، كونها المسؤول عن بناء القاعدة الفكرية والثقافية للأمة.. ومع عظيم خبراتي الحياتية والمهنية، مازلت أجهل حتى هذه اللحظة، لماذا يتسابق الجميع من أجل الحصول على وزارات سيادية ويترفعون على وزارات الخبز والمساكن والمجاري والكهرباء والمسارح ومدن الألعاب والجسور والمؤتمرات الشعرية والعيادات الشعبية وحقوق الانسان؟! هل لأنها وزارات تهم الناس، وكل وزارة من هذا النوع منقوصة الأهلية، أم لأن الوزارات السيادية هنّ بنات السلطان والسلطة، وبنات السلطان كاملات العافية والثراء والسيادة!