اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مقبرة الشعراء في الاهوار ابوذيات على شواهد القبور
 منظمة داري وطن متنقل بين حقول الوجع
 الصحفيون الاجانب في العراق لم نتعرض للتهديد ولا نخاف الإ من المفخخات
 المسنون .. منسيون حتى في عيدهم العالمي قصص مؤلمة عن جحود الابناء
 الفوتوشوب طابور خامس بنكهة التكنلولجيا

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحقيق
 
مختطفون يتذكرون وطنهم بمرارة وخوف
مختطفون يتذكرون وطنهم بمرارة وخوف
اية منصور حسن
- لم خٌطفت؟
- هنا علي أن اسأل الوطن، ماذا فعلت له لأخرج منه مطرودة بهذا الشكل؟  
قد يبدو سؤالي هذا ساذجاً بعض الشيء، وانا اوجهه لعلا، الفتاة العشرينية التي تعيش في هولندا منذ ثماني سنوات، لم تكن كافية لتمحو عنها آثار تلك الظهيرة السوداء. فتضحك، وهي تخبرني:
تشرح علا قصتها مع الخطف، عندما كلفتها والدتها بشراء علبة معجون طماطة من المتجر المقابل لمنزلهم، فخرجت ولم تعد يومها، لا هي ولا علبة المعجون، اذ كانت السيارة التي تقل شبانا ملثمين، يسحبونها من شعرها، اسرع من قدميها اللتين تحاولان الهروب منهم نحو المنزل. تتنهد بعصبية متحججة بجهلها لسبب اختطافهم لها، وحبسها لعدة أيام من دون ان يعرضوا عليها فروضا للعودة.
¶ كنت اشعر اني سأموت في اي لحظة، لكن صوت والدتي كان في قلبي، يخبرني انني سأعود يوما.
تبدو علا مشوشة وهي تحاول الاجابة عن سؤالي اذا ما كانت مطيعة لهم أو انها جادلتهم وواجهتهم، فتؤكد ان للحبال التي ربطوا بها يديها وقدميها اثارا متبقية حتى الآن، وان لم يكن في جلدها، فلا تزال عالقة في روحها. اذ لم تستطع علا فعل شيء حتى اغماض عينيها عن مشهد ذبح الطفل الذي لا يتجاوز الخمس سنوات امامها، وصراخه المتطاير مع دمه وروحه التي تخرج كلما مرت السكين في مكان اعمق.
¶ بعد ان انتهوا من ذبح الطفل ورمي رأسه قربي عند صوت الآذان، اخبروني ان والديه لم يقوما بتنفيذ ما طلبوه، وقد الحق به اذا ما فعل والديّ ذلك ايضا! يومها اتصلوا بأبي، ولكنهم لم يطلبوا منه مبلغا معينا من المال فقط، بل اشترطوا عليه ان يرمي يمين الطلاق على والدتي لأنها من غير مذهب! كانت مطالبهم ٣٠ الف دولار مع وثيقة طلاق، والدي قام بتزوير وثيقة، واجبر أمي على السفر الى سوريا لئلا تتعرض لأذى، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فحتى بعد حصولهم على مطاليبهم، كنت استمع لهم وهم يتفقون على طريقة قتلي والمكان الذي سترمى فيه جثتي، ليلتها كانت فرصتي الوحيدة للدعاء والتوسل بالرب لينجيني.
 
ثم تبكي علا! 
وكمن يحاول تقطيب جرح في ذاكرته، تكمل رحلتها الغريبة في طريق الاختطاف، الذي انتهى بصورة غير متوقعة، عندما حضر احد الخاطفين، لفك قيودها، ثم ليخرجها متوجها الى منزل ذويها في الثالثة فجرا، وعندما اوصلها، طلب منها ان تهرب من الحي حالا.
¶ كان حالي يرثى له، حالما فتح والدي الباب في وقت متأخر كذاك، كان مخبئا خلف ظهره سكينا، وقعت من يده حالما شاهدني وانا اسقط على الأرض، يومها، قامت اختي بازالة اثار الخطف الظاهرية عن جسدي، التراب والسعال ودماء انفي الممتزجة بدماء الطفل المذبوح، كان كل شيء متيبسا، حتى جسدي، ولم اكن في وعي كامل لتقبل أي شيء، بعد ساعة واحدة، خرجنا مع بزوغ الشمس، لا نعلم لأي وجهة تقلنا اجسادنا. مع ما خف وقل من ممتلكات، متوجهين لأقارب لنا في احدى المحافظات، وحالما اكملنا اجراءات السفر. توجهنا لنعيش في سوريا.
تكمل علا هجرتها الى هولندا واستقرارها ودراستها بها، ايضا تكمل بغصة لا تنتهي كلما استرجعت اسم بغداد أو الحي أو مدرستها المتوسطة أو جيرانها، أو احلامها المتروكة في مدينتها.
تؤكد علا امنيتها العودة، لكنها تفضل الاحتفاظ بذكريات جميلة عن مدينتها من دون استرجاع تفاصيل اختطافها:
¶ لا استطيع العودة الى وطني، الدخول في حدوده وحده يذكرني بصوت بكاء الطفل حتى صوت الاذان يستدعي وجه الطفل مباشرة، احب ان اعيش واكمل تعليمي، وان امارس حياتي بصورة طبيعية في وطني لكنني احلم. إذ دائما ما اسأل بلادي، هل فعلت شيئا لتعاقبينني بذكريات تمنعني من الوصول اليك؟ ولا تجيب!
 
وطني قتل ابي 
لكن محمد قد لا يختلف مع علا في مسألة عودته الى الوطن، حيث يجد ان قبر والده هو الجسر الوحيد الذي يربطه بالعراق. وغير ذلك فقد رمي تماما في دجلة، في يومه الأخير في العراق. 
يروي محمد المقيم في اميركا، قصة اختطافه من قبل جماعات مسلحة، بحجة تعاون والده مع الأميركان، بالقصة التي تستحق ان تكون فيلما، حيث يضحك قائلا:
¶ بالمناسبة اضحك لحزني، منذ سنوات لم يسألني أحدهم عن سبب اختطافي لأنهم يخشون ايذائي، عموما، خطفت لكون والدي مترجما لاحدى قطعات الجيش الأميركي، ولكوني الابن الوحيد له، كان شرطهم ان يدع عمله مقابل خروجي سالما، مع اموال لا اتذكر كميتها تماما، فعل والدي ما أرادوه، وفي يوم مقايضة حياتي مع الأموال، انزلوني من السيارة، وما ان رموني على الأرض، حتى اطلقوا عيارات نارية انتهت بصوت صرخة والدي. ثم هروبهم بكل سهولة.
يكمل بسرعة محمد، كمن يريد انهاء الحديث عن هذا الموضوع، بعد سؤالي عما اذا كان سفره خوفا من مصير مشابه لمصير والده، فيجيب بعنف:
¶ لن يموت احد منا مرتين، اشعر اني سبب مقتل والدي، لم اعد اطيق شيئا في وطني، من صوت الرصاص، وأخبار القتل والاختطاف، انه ليس وطنا، انه مثرمة موت وجميع من يعيش فيه يقف في طابور ينتظر دوره، كل من يسافر سيدرك المفارقة في ان نعيش جميعا تحت سماء واحدة، لكن اوطانا تختلف عن اوطان اخرى. قد يبدو كلامي قاسيا لكني منذ سنوات اعيش هنا ولم اسمع صوت رصاصة واحدة قد تذكرني بوالدي، لو كنت في العراق لكنت أتذكر المشهد في اليوم الف مرة، لذا حفاظا على عراقيتي من الاندثار، لا استطيع العودة.
 
لقد قدم لي الخطف فرصة من ذهب
ويوضح زيد، طريقة اختطافه - التي تبدو مغامرة جميلة كما يرى-  المخالفة لبعض عمليات الاختطاف، اذ ان حظه اوقعه بيد عصابة من المراهقين غير المنظمين والجادين. صامتا لبرهة ثم مكملا بنصيحة عدم الانجرار للثقة بأحد ما، حيث ان حالة عائلة زيد المادية التي قد تكون جيدة نوعا ما مقارنة بالجيران، اثارت طمعا لبعض معارفه، ليختطفوه، مطالبين اياه بمبلغ مالي ضخم أو قتله مسبوقا بالتعذيب بالصعق الكهربائي والاغراق وغيرهما، لكن زيدا كان وكما شرح لي، واثقا من مسألة بقائه على قيد الحياة:
¶ من خلال اصواتهم ادركت انهم اقارب ومعارف لي، وهذا الأمر اراحني قليلا، خصوصا انا ادرك ان تهديداتهم لن تجدي نفعا، لم اشعر بالخوف مطلقا، الا في اللحظة التي هربت بها منهم، متجها لمنزلي، لأطمئن عائلتي واتجه لمنزل عمتي، بالطبع لاحقوني وحاولوا اختطافي مرة أخرى لكنني كنت قد عزمت السفر الى الاردن. من دون عودة للعراق ابدا.
 يبدو زيد مرحا وعفويا وهو يؤكد ان مسألة خروجه من العراق كانت مثل اي عجينة بحاجة للاختمار، بسبب الأوضاع الأمنية، الخوف من مستقبل لا يحمل سوى علامات الاستفهام، والرهبة من كل شيء، فكان الاختطاف سببا اساسيا في تعجيلها. 
- الاختطاف شرارة انطلاقي للهجرة، فكرت اني قد نجوت بسهولة، فلم لا احافظ على نفسي هكذا واهرب لئلا اتعرض في الأيام اللاحقة لمصاعب اكبر.
وفي سؤال لي عن مفهومه للوطن، واذا ماكان يجد ان اميركا وطنه الآخر الان، اجابني:
¶ لا اشعر بانتماء لاميركا، لكنني اشعر بالأمان، والوطن لا يحصر بخارطة، كل من يدافع عن جسدي ومعتقداتي وافكاري، هو وطني.
ما قد سمعته من هؤلاء، جعلني اتساءل، لو أني فعلا، قد اجٌبرت يوما، لأكون مختطفة، ثم مهاجرة من دون عودة لهذه البلاد. هل فكر أحد منا، ان يأخذ مكان ذاك المختطف ويسأل عن سبب ركله هكذا لخارج الحدود؟! لا اعلم، فقط ان مجرد التخيل كان أمرا في غاية الصعوبة، فكيف لو حدث ذلك حقا؟! الوطن، ليس حفنة تراب، احيانا يبدو العالم بأسره. حتى وان ترك اثارا نفسية وجسدية، غير ظاهرة للعيان.