اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
بناية غامضة بجوار مدرستنا
بناية غامضة بجوار مدرستنا
عبد الزهرة زكي
 كنت حينها في التاسعة من عمري، طالباً في الثاني الإبتدائي، وكانت البناية، كما فهمت من ابن عمي، (مكتبة عامةً).
يومها لم يكن في ذلك الحي أيّ مبنى من الطابوق سوى المدرسة وهذه البناية التي هي (مكتبة عامة)، وكانت معهما بنايةٌ أخرى ثالثة كنا نخشاها ونتحاشاها؛ إنها مركز للشرطة، كان يديره مفوضٌ، بحيث سُمّي مفوضية شرطة خمسة ميل قبل أن تتحول التسمية إلى حي الهادي. لقد تجاورت البنايات الثلاث بمكان متقارب في الحي الكبير الفقير الذي بنيت كل بيوته حينها من القصب أو بالطين، قبل أن تبدأ حركة بطيئة في الحي للاستعاضة عن بيوت الطين والقصب ببيوت متواضعة من الطابوق. لم يكن هذا التحول الباهظ في تكلفته مجرد تعبير عن حاجة بنائية فنية إلى الطابوق، وإنما كان تعبيراً عن حاجة مضمرة إلى هوية معمارية مدنية مستحدثة تقطع الصلة بالجذر القروي لمعظم السكان، ناهيك عن أنه أيضاً جاء استجابة لاشتراطات الدولة بتجهيز الكهرباء للمساكن المشيدة بالطابوق فقط.
كنّا خارجَين من المدرسة حين سألت ابن عمي عن معنى كلمة (مكتبة) كما سمّى هو لي البناية الغريبة المجاورة لمدرستنا. وحين قال لي إنه لا يعرف معناها، تدبرت أمري واجتهدت بحثاً عن معنى ما، فكان كل ما خلصت إليه، بعد التفكير بالكلمة، هو أنها تخص الكتب حتماً. لكن ما معنى مكتبة؟ طلبت منه أن ندخل البناية لنعرف ما فيها وما يمكن أن تعنيه (مكتبة).
" هل يحبسوننا في مركز الشرطة إذا نحن دخلناها؟"، سألته فردَّ:" لا، ولكن ربما يضربوننا ويطردوننا، فهي ليست مدرستنا لندخلها".. لقد تذرع بهذه الحجة وبسواها محاولاً الامتناع عن تلبية رغبتي. لا أدري لماذا كان يرفض، ولا أدري أيضاً لماذا ظللت أصرّ على تنفيذ تلك الرغبة، خصوصاً أني لم أعتد الالحاح ولا الإسراف في الطلب. لقد ابتكرتُ أكثر من ردّ على الحجج التي كان قد ساقها للتملص من دخول البناية:" ما داموا لا يحبسوننا، ويكتفون بضربنا فإننا نستطيع أن ننهزم ونتخلص منهم.. ثم ما عليك، يا أخي، أنا سأجعلهم يرحبون بنا"، رددت عليه، فدخلنا البناية الغريبة.
كان ثمة سياج خارجي خفيض يحيط بالبناية التي ينفتح بابها الرئيس على قاعة بدت كبيرة كما أذكر، بل كانت أكبر من البيت الذي نسكنه مما أثار دهشتي. كانت رفوف ترتفع على امتداد الجدران، وكانت كتب كثيرة تملأ الرفوف، حسبت أن كل كتب الدنيا والمدارس يحتفظون بها في هذا المكان المجاور لمدرستنا. هنا رائحة لم تكن مألوفة لي، تشممت تلك الرائحة ولم أعرف حينها أنّ للكتب رائحتها التي لا يعادلها شيء، لكن ثمة ألوان أيضاً هنا هي غير اللون الواحد لصفنا وغير الألوان الكابية لبيوتنا ولتراب أزقتها وشوارعها، إنها ألوان أغلفة ومجلدات ورفوف ومقاعد وطاولات، لكن الألوان الأشد إبهاراً وجاذبيةً هي ألوان ثلاث أو أربع من الفتيات اللائي كن يتحركن بخفة ورشاقة في القاعة الكبيرة للمبنى الغريبة وحوالي رفوف الكتب هائلة العدد.
هذه هي المرة الأولى التي أشاهد فيها كتباً بهذا العدد، لكنها المرة الأولى أيضاً التي أشاهدُ فيها فتياتٍ موظفات وبعمرهنّ وهنّ سافرات ودائمات الابتسام والمرح، كما لو أن عيداً لا نعرفه يحدث في هذا المكان الغريب (المكتبة). لقد ولدت في محيطٍ يكاد يكونُ أميّاً بالتمام، فيما كانت البنات فيه يتلفعن بالعباءات السود حالما يتقدمن نحو عامهن العاشر. تعلم والدي القراءة والكتابة بعدما صار شاباً في الجيش، بينما أرغمت أختٌ لي وابنة عمي (كلتاهما توفيتا مؤخراً، يرحمهما الله) على ترك الدراسة بعد أسبوع واحد لهما فيها، وذلك إثر مشادة بين ابنة عمي وأخيها الواقف خلفي في (المكتبة العامة). لقد عزا عمي المشادة إلى سوء  في التربية  وتحلل في الأخلاق يتسرب حتماً إلى البنات حالما يخرجن من البيت ويكنّ في المدرسة.
لكن الفتيات اللائي أمامي في المكتبة لم يكن شريرات كما تشكلت صورة المتعلمات في ذهن الطفل بموجب تفسير العم. اطمأننت إلى خطأ تصور ابن عمي أيضاً، لم يبد عليهن أنهن سيضربننا ويطردننا. لقد تقدمت إحداهن إليّ، أنا أصغر الطفلين القادمين إلى المكتبة وأقصرهما، وانحنت حتى صارت بطولي لتمسك بي من شعري بكل لطف، وسألتني، وهي مبتسمة:" ماذا تريد ياعيني؟".. حدقت في الكتب وفي الشبان الجالسين على مناضد القراءة، وأجبت: " أريد أن أقرأ، أنا أعرف أقرأ". نظرت إلى زميلاتها، وردّت ضاحكة: "يا، فدوة لليقرؤون، تريد تقرأ هنا، لو استعارة؟".
ها أنا أقف عند كلمةٍ جديدة أخرى لم أعرفها من قبل. ما معنى (استعارة)؟، ليس من المناسب أن أبدو جاهلاً أمام فتاة جميلة وقد اجتزت عتبة الاختبار الأولى بدخولي المكتبة وبطلبي القراءة، ما الذي يمكن أن يحدث؟ فلأقل لها: " اريد استعارة".
ألأخريات تجمعن حولي ايضاً. أرادت إحداهن اختباري: " خذ أيَّ كتاب، ولنرَ كيف تقرأ؟". اخترت واحداً من أضخم الكتب (الضخامة كانت معيار الصعوبة للطفل)، وما إن باشرت بالقراءة حتى تناولنه من يدي، ونظّمن ورقة استعارة من بعدما أوضحن لي معنى الإعارة وكيف ومتى أعيد الكتاب.
حصل هذا قبل أكثر من خمسين عاماً طبعاً ولا أدري هل ما زالت المكتبة على قيد الحياة.