اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
جواز سفري بخط يدي
جواز سفري بخط يدي
 عواد ناصر
حُرّمت على آلاف العراقيين، زمن النظام السابق، زيارة سفارات بلادهم بعد أن انتشرت أخبار عن عمليات تسميم المعارضين والمطلوبين أو اختطافهم.
كنا نخشى حتى المرور بشارع تقع فيه سفارة عراقية!
 لكننا دخلنا السفارة العراقية لدى برلين، العاصمة الألمانية، بعد أن دعينا لإقامة مهرجان ثقافي عراقي هناك، والدعوة كانت من "دار ثقافات العالم" الألمانية نهاية الثمانينات.
بدأ الاقتراح من صديق عراقي مقيم في برلين له صلة صداقة بالسفير، آنذاك، لاستصدار جوازات سفر لوفدنا الذي قارب الخمسين شخصا.
ولكي نضمن سلامتنا فاتحنا الألمان بالاقتراح ليكونوا على بينة وليسهموا بحمايتنا.. رحب الألمان بالفكرة، بعد أن استغربوا دخولنا بلادهم بجوازات يمنية (جنوبية).
كنا حذرين جدا لأننا خائفون جداً!
أبلغنا في  اليوم التالي بالحضور، كلنا، إلى مبنى السفارة، رجالا ونساء وبيننا أطفال.
استقبلنا السيد السفير (نسيت اسمه مع الأسف، لكنه كان يكنى بـ "أبو رياض")، والحق يقال، بترحاب عراقي مغمس بدبلوماسية بعثية، وإلى جانبه القنصل (سعد حردان عبدالغفار) وهو ابن وزير الدفاع الأسبق حردان التكريتي الذي اغتالته سلطة صدام في الكويت في 30 آذار 1971.
رفضنا تناول مشروبات خفيفة في صالون السفارة، ولما أدرك السفير سبب خوفنا علّق: يا جماعة، إنها علب مغلقة (سرمهر). وهنا ردت الصديقة فاطمة المحسن: وإذا كانت مغلقة.. ما أسهل حقنها بإبرة مسمومة!.
طلبوا منا صورا شخصية ورسوما مالية وضرب السفير مثلاً بالجالس إلى يساره (السيد القنصل) الذي دفع مبلغ 150 دولارا لتصديق عقد زواجه. هنا علق الصديق زهير الجزائري: لو كنت سألتنا، حضرة القنصل، لجددنا لك العقد بمحلة السيدة زينب (قرب دمشق) وبمبلغ زهيد جداً!
(ضحك وسط الحضور وارتباك في صفوف ممثلي الحكومة).
تصادف أن خطاط السفارة (من يدون المعلومات في جوازات السفر) كان يتمتع بعطلته، فانتخبني الأصدقاء أن أقوم بالمهمة.
قال القنصل: ستكتب جواز سفرك عندما ننتهي من جميع الجوازات.. أنت ضيفي حتى آخر جواز سفر. صرت أذهب إلى السفارة يومياً، بعد الظهر حيث تنتهي الفعالية الثقافية اليومية، وكنت أبلغ مضيفينا الألمان بذلك لأواصل ملء جوازات سفر زملائي ولأجلب ما أنجز من جوازات وصلت من بغداد.. من دون أن نتبادل، القنصل وأنا، كلمة واحدة في السياسة!
هكذا، على مدى أسبوع تقريباً حتى جاء دور جواز سفري لأكتبه بخط يدي فأكون المواطن الوحيد في العالم الذي يكتب جواز سفره بنفسه.. وما زلت أحتفظ به حتى اليوم!