اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
في بيتنا مهفة ولدت وفي كفي مهفة
في بيتنا مهفة ولدت وفي كفي مهفة
عبد الزهرة زكي
 إنها أفضل ما كان يمكن أن يدرأ به العراقيون الفقراء ركود الهواء في نهارات الصيف الساخنة في سنوات الفقر والجوع، حيث (ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع)، بتعبير الشاعر البصري بدر شاكر السياب، والجوع ليس للخبز حصراً..
(المِهفّة) اشتقاق شعبي لغوي، لا أصلَ له سوى أصله العراقي الجنوبي، إنه من أرقّ وأعذب ما يكون عليه تطويع العربية الفصحى من قبل الناس في استخدام الآلات وسواها. أخذته العامة من الفعل هفَّ (صوت الريح إن هبّت) ومن الهفيف (صوت النسيم إن هبّ).
الأصل اللغوي العراقي لـ (المهفة) مقترنٌ بالضرورة بأصلٍ عراقي آخر لها؛ فهي مما يُصنَع من خوص النخل، وبمقبضٍ يدوي من جريد النخل أيضاً، لا يدخل عنصر آخر لا صلة له بالنخل في صناعة المهفة (إن اسثنينا الأصباغ التي لا تشكل إلا ضرورة تزيينية لا قيمة لها في وظيفتها العملية).
النخلةُ وعناصرُها ألهمت العراقيين صنعَ أدواتهم وكثيرٍ من أثاثهم باستخدامات متنوعة لتلك العناصر؛ بدءاً بالمكنسة والسرير وسفرة الطعام، مروراً بالآنية وحقائب التسوّق والمقاعد والطاولات حتى ليف التدليك في الحمام وسواها من احتياجات الحياة اليومية. ولا يضارع النخل في هذه الطبيعة الاستخدامية سوى قصب الأهوار الذي شكّل وما زال المادة العضوية الأساس (إلى جنب الطين) لعمارة الجنوب طيلة قرون، وألهم الناس هو أيضاً صنع أفرشة جلوسهم وبعض آنيتهم وأدواتهم.
كانت هذه موجودات استخدمتها وعشت معها جميعها في طفولتي المبكرة في البصرة؛ في البيت الأول الذي فتحت عينيَّ فيه على الحياة بوعي وانتباه، كان بيتاً مسورا بالقصب وبحجرات هي الأخرى من قصبٍ. لا أرقّ الآن من ذكرى هبوب نسيم عبر الجدار القصبي الذي يُرفع عنه الحصير مع مطلع الصيف فيظهر مشبكاً، إنها نوافذ تلك العمارة التي تجعل المرء مباشرةً في حضن الطبيعة تماماً حيث الأمان والشعور بالسلام والانسجام مع المحيط السكاني ومع الطبيعة نفسها.
كان الماء لا يُرشّ حصراً على تلك المشكبات القصبية ليسمح بمرور هواء عليل إلى الحجرات، فالمهفات التي عادة ما تكون بأعداد مناسبة في كل بيت وبما يؤمِّن حتى حصة ضيف أو ضيوف مفاجئين تكون هي الأخرى قد رُشت بماء. إنها وسيلة التبريد المتاحة آنذاك حين يركد الهواء داخل الحجرات التي تساعد مادة بنائها القصبية على الاحتفاظ ببرودة المكان.
لم تكن هناك كهرباء، كان هذا في مطالع الستينات في حي الجبيلة بالبصرة، لا تسمح سلطات الكهرباء بتزويد بيت قصبي بالكهرباء خشية حصول تماس أو حوادث حريق غير محسوبة ناهيك عن عدم قدرة السكان على توفير متطلبات وضرورات وأجور الكهرباء، المهم أنه هكذا كانت تدّعي السلطات حينها حتى لو توفرت لك القدرة على مستلزمات الكهرباء المادية، لذلك كانت المهفة جزءاً أساس من الحياة في تلك الطفولة، ترافق المرء من ساعة نهوضه حتى عودته إلى فراش النوم في القيلولة أو في المساء، بينما كانت الأمهات ترِّغب الأولاد بالعمل على هفهفة الهواء للأب حين يكون قد عاد من يوم عمل مرهق واستسلم لرقدة تريد لها الأم أن تظل هانئة.
وحتى حين تحوّلت العائلة في منتصف الستينات إلى بيت من طابوق ظلَّ الوالدُ يكدّ عاماً كاملاً ليكملَ بناءه لم يكن ممكناً الاستغناءُ عن المهفة التي أزاحتها المراوحُ الكهربائية جانباً لتظل تقتصر على وظيفة مسائية حين تكون العائلة على سطح البيت في ليالي الصيف حيث تشتد الحاجة إليها في الليالي التي يركد فيها الهواء وترتفع نسبة رطوبته.
لا أذكر الآن كيف توارت المهفة سنوات وغابت عن بيت العائلة وحياتها. كانت المراوح، وبعدها مبردات الهواء، قد أمّنت سكناً مناسباً للعيش بما يدرأ حر الصيف واشتداد قيظه. مرات، وحين كنت أمرّ بمحافظات ريفية، كنت أشتري ما يصادفني من مهفات بات باعتها على أرصفة الطرق الخارجية يتفننون في صناعتها وألوانها وتشكيلها ليبيعوها بأثمان زهيدة، شيء من الحنين واستعذاب لجمال البساطة في تكوينها وكثير من التعاطف مع باعتها الفقراء، ثم تختفي هذه المقتنيات اللطيفة التي لا تحظى باهتمام آخرين سواي في العائلة.
لقد كدت أنسى المهفة في شبابي لولا أن حاجةً مفاجئة ظهرت لها في سنوات الشباب، إنها حاجة استمرت لثماني سنوات. كان ذلك في الحرب مع إيران التي صادف أن أقضي كل سنوات خدمتي فيها في العمارة حيث الصيف يفرض الحاجة إلى المهفة في ملاجئ قتالية صحراوية وبلا كهرباء لتبريدها، وحيث أن العمارة محافظة ريفية ما زالت حينها لم تستغنِ بعد عن المهفة وعن الحاجة إليها.
بقيت المهفة خلال تلك السنوات، وفي كل صيف منها، تحظى بحضور لا بدَّ منه، سواء في أثناء العمل أم في ساعات القراءة التي لا متعة سواها في تلك الصحارى تماماً مثلما في الطفولة حيث الكتاب بيد فيما المهفة بأخرى.
في واحدة من إجازاته حمل جندي صديق هدية لي؛ كانت مروحة يابانية يدوية، إنها مهفة اليابانيين والصينيين التي كانت من حرير حين تكون بأيدي أميرات أو ثريات، وبنسيج متباين القيمة حين تكون بأيدي عوام الناس هناك، وهي مراوح جميلة عادةً باعتناء الآسيويين بتشكيلات الورود عليها وبالألوان التي تحمل عبق ربيع الورود في موطنها.. لكن المهفة اليابانية المهداة لي لم تستطع إزاحة مهفة الخوص العراقية، إنها نبت البيئة التي تعمل فيها بينما يبقى النظر إلى المروحة اليابانية على أنها جزءٌ من اكسسوار أنثوي أكثر مما هي آلة لغرض عملي تواجه بها فظاظة الحر.
لقد استذكرت شيئا عن المهفة قبل أيام، حيث مع اشتداد الحر في أواخر تموز، ومع محنة الكهرباء، تسللت المهفة إلى بيتي بعد كل تلك السنوات. لم أكن هذه المرة أنا من جاء بها، لقد اشترتها أم حيدر في طريق عودتها من النجف أثناء العيد.. تفاجأت باثنتين منها بكفّي حفيديَّ؛ كانا ينظران إليهما أولاً كلعبة، لكن الحر واشتداده علمهما كيفية الافادة منها والتكيّف معها كضرورة.