اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
ذات اللحاف المبلول
ذات اللحاف المبلول
 عواد ناصر
ما الذي يفعله الجسر فوق نهر ناشف؟
الجسور تشيخ مبكراً عندما تنشف الأنهار، لكأن الجسور، مثل الأشجار، تريد المياه لترتوي وتخضر ويكثر ثمرها وفيئها.
هي صورة نهر المجر الكبير تحت جسرٍ شاخ لأنه لم يجد ما يكفي من المياه، لكن الأطفال وجدوا ما يكفيهم، بحجم بركة ليسبحوا.
 لا أتذكر ذاك العام الذي عدت فيه من بغداد إلى مسقط الرأس في العمارة (ميسان).. وها أنا أحتال على ذاكرتي لأنني لا أعرف بأي أرض صغيرة ولدت، بداية الخمسينات من القرن الماضي!.
صرنا نحسب أعمارنا بين قرنين!.
يعدد أهلي هجراتهم بين قرى الطين المنسية بينما صرت أعدد هجراتي بين عواصم الإسمنت العالية.
يخبر أخي الكبير: ثمة مناطق (هي قرى منسية) عبرناها إما بحثاً عن الماء أو هرباً من الماء:
التسعات، العشرات، السيلة، أم عين، الميمونة وهي آخر أعثاق التمر التي تدلت على نهر البتيرا ومنها هاجرنا لنمضي إلى بغداد، بلا أحلام تذكر في رأس الطفل كالكبار الحالمين بتغيير الحال.
كم كان عمري؟ لا أدري، حقيقةً.. لكن في ذاكرتي وجه صديقي "عطية" ذلك الزنجي الملعون الذي علمني صناعة الطيارة الورقية. 
عودتي إلى مسقط الرأس الضائع كانت بصحبة أخي الأكبر "فهد" ليستضيفنا أخي الآخر، المرحوم "عبدالحسين" – من أمنا الكبيرة (الثانية) المرحومة أيضاً "مسحونة" - في ناحية الميمونة التي صحبني فيها ابن أخي المرحوم، هو الآخر، جبار عبدالحسين المسحور بجملة "السلام أمل الشعوب" يخطها إينما وجد ورقة وقلماً.. وفي سوق الميمونة جلسنا، بدعوة منه، جوار امرأة تبيع اللوبيا الخضراء المسلوقة مع الخبز والبصل الحايل ليكون أطيب سندويتش أتذوقه في حياتي.. أطيب حتى من سندويتشات "ماكدونالدز" التي أسهمت بإسقاط المعسكر الاشتراكي!.
بعد رحلة شاقة من الميمونة إلى المجر، مرة بالسيارة وأخرى على ظهر الفرس (كنت خلف أخي فهد أتمسك بخاصرتيه) بلغنا مقصدنا عند أقارب لنا، يمتون بصلة نسب، وبعد العشاء (تمن وروبة) تعلل القوم ثم فرشوا لنا عند نهر صغير يحاذي غرفهم، بينما كانت النجوم نظيفة وأقرب للقلب من اليد والماء يجري كبطون الحيّات.
كان فراشي عند حافة النهر، بالضبط، وكاد لحافي (فالليلة ربيعية خالطها برد رحيم) يبتل بذاك الماء المقدس الذي داعبته بكفي اليسرى وأنا مستلق قبيل أن أنام!
صحيح ما يقال، إذن "مياه كثيرة جرت تحت الجسر" والفعل "جرى" فعل ماض، مضى وانقضى، ولن يعود، ولن يعود ذلك النهر العذب الذي كاد يبلل لحافي.