اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
عش الفختاية
عش الفختاية
نرمين المفتي
شارع طلعت حرب لا يختلف في تأريخه وبناياته التراثية عن شارع الرشيد بامتداده من ساحة الميدان الى الباب الشرقي، والذي زار القاهرة، سيكتشف مدى الاهتمام بهذا الشارع، فهو يضم وسط البلد وتمثال طلعت باشا حرب في الميدان الذي يحمل اسمه وعمارات بطراز أوروبي، من بينها عمارة يعقوبيان، ومقاهي عديدة من بينها، غروبي في الطابق الأرضي من يعقوبيان وريش،  ومكتبات عديدة ومن بينها مكتبة مدبولي ومن تفرعاته، يكون الذهاب الى اتيليه القاهرة، المركز الثقافي القديم المعروف والى مطعم الغريون الذي يشكل في الوقت نفسه مركزا ثقافيا آخر وفي شارع الجلاء المتفرعة منه المباني الثلاثة لجريدة الاهرام.. ولدي اصدقاء وصديقات لايزالون يسكنون في شقق بعمارات شارع طلعت حرب.. 
في شارع الرشيد، مبان قديمة رائعة، بل ان الشقق التي تمتاز بزخارف نباتية وهندسية بديعة تغري بالسكن ولكن! ومعالم كانت تضم روعة بغداد في بدايات توسعها، مع بدايات القرن العشرين ونهايات القرن التاسع عشر، وبيوتا في تفرعاتها في احياء ضيقة حميمة وشناشيل تكاد تلتقي بأخرى تقابلها ومكتبات شارع المتنبي ومقاهي وقيصرية ومحال التراثيات والانتيكات، وزوايا تضم ضحكة وهمسة وكركرات صغار، ولكن لم يتم الاهتمام بها، ومباني قديمة بدأت تنتهي مع تأريخها وذكرياتها. في  بداية الثمانينات مع الكشف عن المخططات الرئيسة للمدن العراقية ومنها بغداد، والتي انجرتها وزارة التخطيط ووضعتها شركات ايطالية وفرنسية وهندية هندسية خاصة بتخطيط المدن، وكانت تشمل التوسيع مع التحديث من احياء سكنية نموذجية وخدمات ومتنزهات ومسارح ودور سينما ومدارس وشوارع وجسور وصولا الى مدن عراقية بمستوى المدن العالمية المتطورة واللائقة لكرامة الانسان، حاورت معاون امين بغداد حينها، وسألته عن سبب عدم الاهتمام بالأبنية القديمة في شارع الرشيد ومنح اجازات هدمها؟ وكان جوابه غريبا، " انها ابنية بعمارة ليست عراقية، تركية وانكليزية فيكتورية وغيرها "!  قلت له صحيح، لكنها تأريخ بغداد وتتحدث عما شهدته.. ومنذئذ، بدأ شارع الرشيد ينطفئ، واستمرت الحروب وجاء الحصار وتوقف تنفيذ مخططات المدن. وجاء الاحتلال  بعد قصف شديد لاكثر من اسبوعين اعقبته الفوضى والتفجيرات وأعمال العنف وتم اهمال شارع الرشيد تماما وان كان صيته لايزال مثلا عند العراقيين، اينما صادفهم الزحام.. لا تريد الذاكرة الجمعية العراقية ان تنسى شارع الرشيد، بمختلف محاله، شربت زبالة، كعك السيد، الساعات والأزياء والمقاهي ومطاعمه وفنادقه واورزدي باك، المول بالمصطلحات الحديثة الذي عرفه العراقيون قبل غيرهم من دول الجوار وغيرها، والجوامع والكنائس والمطابع والمكتبات ومنتدى المسرح  وتمثال الرصافي والفختاية التي كانت قد بنت عشها فوق يده وزحام السير سواء في الشارع أو على الأرصفة، في المقاهي أو المكتبات.. لاتزال ازالة هذه الذاكرة مستمرة، هل من منتبه ومهتم؟ في الأقل باعادة النظافة الى الشارع لتعود الفختاية الى عشها.