اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود
 نصب "العامل" في ساحة أم البروم صراع المقبرة مع المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
ناصر الحجاج
 منذ سنوات نزلت في فندق الميريديان حين اتصل بي صديقي يسألني إن كنتُ وصلت إلى بغداد، فأجبته بالإيجاب، وأنني أستمتع بوقتي برفقة اثنين من مبدعي البصرة على مر العصور، فردَّ مندهشا، ومن هما؟، قلت: أبو نواس الحسن بن هانئ، وعبد المحسن السعدون رئيس وزراء المملكة العراقية خلال عشرينات القرن العشرين. ما لبثت دهشته ان استحالت إلى ضحكة حين استرجع أن فندق الميريديان يقع بين شارع أبي نواس وشارع السعدون اللذينِ اتخذا اسميهما منهما.
فالسعدون، البصري الذي جاء من جنوبي العراق ليكون رئيسا للوزراء كان من أشد خصوم سلطات الاحتلال البريطاني للعراق، بل وكان مع زعماء قادة بصريين مثل طالب النقيب، الأمير خزعل الكعبي، والشيخ حسن الخيون.. قادة يطمحون إلى ان يحكم العراق رجال وطنيون مثلهم، إلا أن الإرادة البريطانية ارتأت ألا يكون حكم العراق إلا بيد زعيم حجازي هو الملك فيصل بن الحسين بن الشريف علي، ربما إرضاءً لرغبة العراقيين الذين يحملون تقديرا كبيرا لآل البيت وللعائلة الهاشمية.
وطنية عبد المحسن السعدون دفعته مراراً إلى الاصطدام بالإرادة البريطانية، حيث قال لابنه علي كما جاء في وصيته: "الشعب يريد مني أن أخدمه لكن الانكليز لا يريدون ذلك .." ولهذا كان موته مريبا وإن سجل في شهادة الوفاة أنه مات منتحرا (1929)، وقد تعالت أصوات كثيرة تفيد بأنه نحر ولم ينتحر. وفي الحالين فقد دعت تضحية السعدون من أجل "إرادة الشعب" العراقي، وروحه الوطنية العالية الكثير من الشعراء والمبدعين لأن يطالبوا بإقامة نصب تذكاري له مثل الشاعر الملا عبود الكرخي، والشاعر معروف الرصافي، وقد استجابت الحكومة العراقية لتلك الدعوات وكلفت الفنان الإيطالي المعروف بيترو كانونيكا (Pietro Canonica) لإنجاز نصب السعدون عام 1933 من مادة البرونز، تمثالا يذكر الأجيال القادمة بأن للعراق رجالا حريصين على سمعة الشعب وعلى "خدمته".
اختير للتمثال مكان مرموق في قلب بغداد حيث التقاء جسر الجمهورية بساحة التحرير (حاليا)، إلا أن الخطة العمرانية لبغداد اضطرته إلى مغادرة مكانه باتجاه مدخل شارع السعدون، ثم حين شق نفق ساحة التحرير عام 1972 غادر بداية شارعه إلى ساحة النصر حيث موقعه اليوم.
التمثال "المصغر" الموجود الآن مطلا على ساحة النصر، يرمق ببصره مسقط قدميه في ساحة الحرية، هو تمثال بديل تمت صناعته على عجالة من مادة الفايبركلاس، ليحل محل التمثال الأقدم في بغداد، فقد أفاق شارع السعدون عام 2003 على غياب تمثاله من مكانه، ومغادرته قاعدته نهائيا، وبقيت التفسيرات المتضاربة المشابهة لرحيله، بين حاجة السرّاق إلى بيع جسده البرونزي، أو استهداف السعدون كأحد الرموز الوطنية التي رفضت الاحتلال، لكن التمثال كصاحبه بقي عصيا على الرحيل من قلوب العراقيين، وعقولهم حيث المسير بين "ساحة الحرية" و"ساحة النصر" قد يستغرق عمرا كاملا، وقد تتحرر البلدان لكنها لا تنتصر، وتلك حرية موهومة، وقد تنتصر البلدان من دون أن تتحرر وذلك انتصار موهوم، فالحياة ليست في عشبة الخلود وحدها، بل قد تكون في إزميل فنان، أو في موقف وطني يصنع الحياة.