اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
بعيداً عن النسق المهرجاني
بعيداً عن النسق المهرجاني
حسام السراي 
 أطلقت مؤسّسة "المورد الثقافيّ" العام 2009 مبادرة لرصد الملامح الرئيسة للسياسات الثقافيّة في العالم العربيّ، ومفهوم "السياسات" يعني هنا "مجمل الخطط والأفعال والممارسات الثقافيّة التي تهدف إلى سد الحاجات الثقافيّة لبلد أو مجتمع ما عِبر الاستثمار الأقصى للموارد الماديّة والبشريّة..".
وبالفعل تكوّنت مجموعات وطنيّة للسياسات في عدد من البلدان العربيّة، منها لبنان، والجزائر، ومصر، والأردن، والمغرب، وتونس، وسوريا، وفلسطين، وتأخّر انضمام العراق لهذا المشروع؛ لأكثر من سبب، منها ما يتعلّق بالظرف العام للبلد، وعدم توافر أرضية مناسبة للتفاعل الثقافيّ المحليّ مع المبادرة، حتّى وجّهت الدعوة، لي وللصديق المخرج محمّد الدراجي، لحضور اجتماع المجموعة العربيّة للسياسات الثقافيّة أواخر العام 2014 بلبنان. وكان من بين مقرّرات اللقاء التداولي، تأسيس مجموعة في العراق معنية بالسياسات الثقافيّة تجري مسحاً بشأن ذلك، وفعلاً بدأ العمل بدعم من "المورد" لحراك المجموعة وتحقيق أهدافها على مستوى العراق ومحافظاته المختلفة، وتلاحقت الخطوات، بعد مشاورات مع مبدعين وناشطين في المسرح والسينما والصحافة الثقافيّة والكتابة الأدبيّة والتشكيل، لتأسيس نواة للمجموعة في بغداد، وبعقد أكثر من اجتماع وضعت فيه الخطوط العامة تشكّلت المجموعة فعلاً، وستعلن نفسها قريباً في مؤتمر صحافيّ ببغداد، وتنطلق على وفق منهج مكتوب سلفاً، يتضمّن مجموعة أهداف، منها لفت الأنظار لضرورة مراجعة وتغيير الإطار القانونيّ للعمل الثقافيّ في العراق، وإجراء مسح للسياسات الثقافيّة في البلاد، والتعريف بهذا المفهوم في الأوساط الثقافيّة والاجتماعيّة أيضاً.
رُبّ سائل يسأل ما جدوى عمل مجموعة مثل هذه في واقع ملتهب كالذي نعيشه؟ أليست أزمتنا بالمجمل أزمة ثقافيّة في جوهرها، فكلّما تراجعت قيمة الثقافة والمعرفة، ارتفعت أصوات الكراهية وازدادت مشاجب المتطرّفين، أليست واحدة من أبرز مشكلات الثقافة العراقيّة، هي غياب الطابع المؤسّساتي للعمل الثقافيّ واقتصار الأمر على مبادرات الأفراد، وهل ننسى أنّ البيئة القانونية للعمل نفسه متدنية وفقيرة إلى حدّ كبير، على مستوى حقوق المؤلف ودعم النتاج الإبداعيّ وتصدير الكتاب إلى الخارج ورعاية الروّاد والالتفات لجهود التعريف بالمنجز الثقافيّ في الخارج، فضلاً عن غياب الجوائز المُعتبرة لشتّى الإبداعات.
المجموعة حديثة التأسيس، لا تملك بالطبع عصا سحريّة وليست لديها فعاليّات ذات أثر آني، فالنسق المهرجانيّ السريع هي أبعد ما تكون عنه، إنّما تشتغل على أهداف وغايات مستقبليّة، ومن بين ذلك تقديم أفكار ومقترحات عسى أن تتحوّل لاحقاً إلى مسوّدات لقوانين تأخذ طريقها إلى ميدان التحقّق، باستثمار أصوات أعضاء المجموعة ومن يودّ الإسهام معها في هذا الجهد التطوّعي.
صحيح أنّ عوامل التثبيط كثيرة ومتعدّدة الأوجه، لكن ما من سبيل أمام اليائس سوى العمل وإن كان ذلك في الوقت الضائع.