اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في الجد
 
اقرأوا لترتقوا
اقرأوا لترتقوا
 جواد غلوم 
jawadghalom@yahoo.com
كم من العصور مرّت على الانسان ومازال ثالوث الخراب المتمثل في الفقر والجهل والمرض الذي يؤرق البشرية سائدا، اذ لم نجد حلولا جذرية ناجعة للقضاء بشكل تام عليه، وكل النظريات كانت عبارة عن رتوق لتغطية هذه الخروق الثلاثة التي سرعان ما تهلهلت مجددا وعادت تمزق الانسان وتعيث به تدميرا وخرابا حيث لاعدل راسخ في توزيع الثروات للقضاء على الفاقة والعوز ولا علم ينتفع به بقي عاما شاملا ليكون دواء ناجعا شافيا وسيفا مسلطا على الجهل. 
كل ذلك يعود أساسا الى تفشي الجهل والأمية والغباء والبلادة لأننا لم نحسن انتقاء ماصلح من العلم ومانفع من العقل، ذهبنا الى السلف لننهل من معينهم دون فرز الأجدى والأنفع وغفلنا ان ضحل مائهم لم يعد يروي غليلا فقد أسن وتغيرت رائحته وتلوّث بفعل تقادم الزمن وركد في العقل، وماادراك ما يفعله الماء الراكد من السقم والأذى بسبب تكاثر بكتيريا الخراب في قعره وسطحه معا. 
ليس كل مانقرأه من كتب وأسفار هو سلاحٌ ماضٍ ضد الجهل، لا بل يكون بعضها ترسيخا له. 
القراءة المنتخبة المنتقاة هي العقار الفعّال الذي يطيح بالغباء ويستفزّ العقل ويُظهر لمعانه بعد ان يزيل صدأ ماتراكم في اذهاننا من عالق سيئ. 
القراءة غير المنتخبة واعتماد المناهج الرثّة التي عفا عليها الزمن وضعفت جدارتها لاتعدو كونها سيفا خشبيّا لايقتل عدوا، انها استعمار للعقل واحتلال بغيض للذهن وقيود للأيدي والعضل الذي يريد ان يبني ويعمّر. 
من يفتح كتابا ثريّا في علومه كمن يفتح نافذة في مكان خانق أو ثغرة في حائط سجن مقفل، والقراءة السليمة سفَـر في أزمنة وأمكنة بعيدة وتوغلّ مدروس في أرواح البشر الراحلين والماكثين معنا.
القراءة السليمة رحلة مع المعرفة وسياحة للعقل ولقاء بينك وبين العباقرة والعظماء والأدباء والعلماء، وحينما تحوز كتابا ثريّا كأنك تقطع تذكرة بطائرة لتكتشف شيئا لم تره قبلا وكثيرا ماتتوقف في محطات العقل الانساني لتهنأ وتستريح بضع ساعات لتتزود بالوقود الفكري وتواصل سفرك الى هدفك. 
القراءة المنتخبة انتقاء السلاح العصري الفعّال الضامن لتحقيق النصر مهما كان عدوك قويا، هو الجرأة والإقدام في مواجهة الخوف وحب الحياة وتجميلها بما يضفي عليها العقل والعضل من سمات تسرّ الأنظار وأصوات كالموسيقى العذبة لتؤنس الأسماع وتسعد العيون بكلماتها وهي تقرض الجهل وتبيد خرقه البالية وتحيلها مزقا مزقا لترمى أخيرا في حاوية مزابل الفكر الضار غير السوي. 
فهل أصدق من كلام قدوتنا علي بن ابي طالب (ع) حينما وصف اشجع الناس قوة ومنعة منْ غلبَ الجهلَ بالعلم، ولا يتأتى العلم الاّ بالقراءة المنتقاة سبيلا الى الارتقاء.