اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
 العبودية والاستبداد شباب الامس .. وشباب الجيل
 قصة البئر الأولى للنفط في العراق
 اول امرأة عراقية في هيئة الأمم المتحدة
 من فتاوى الشيخ محمد عبدة عام 1905

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

شبكة الايام
 
لماذ حولت هذه القرية الصغيرة الى اهم عاصمة في تأريخ العرب والمسلمين
لماذ حولت هذه القرية الصغيرة الى اهم عاصمة في تأريخ العرب والمسلمين
سليم محمود الاعظمي
 لم تعد دمشق صالحة لتكون عاصمة للدولة الجديدة، بسبب افتقارها الى نهر للملاحة، ولا مدينة الهاشمية في الأنبار التي اتخذها أبو العباس السفاح مقراً بسبب قربها من الكوفة موطن الشيعة العلويين، فجرى البحث عن عاصمة جديدة وقام المنصور برحلات على دجلة بدأت من الموصل لاختبار المكان الجديد لعاصمته فوقع اختياره على قرية فارسية صغيرة مهجورة اسمها بغداد.
 
كيف اختار المنصور 
موقع بغداد
كان لابد للدولة الجديدة من عاصمة جديدة، اذ يرى المتتبع لتأريخ العرب ان تغيير العاصمة لابد منه عندما تتولى الحكم أسرة جديدة، ففي بدء الاسلام هاجر النبي (ص) من مكة واتخذ يثرب مقراً له فانتقل بذلك المركز السياسي لجزيرة العرب من مكة المدينة التجارية القديمة الى يثرب التي سميت مدينة الرسول، والتي اصبحت عاصمة الاسلام ومركز الحكومة، وبقيت كذلك في حياة النبي (ص) والخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: فلما آلت الخلافة الى علي عليه السلام اتخذ الكوفة مقراً، وحدث النزاع بينه وبين معاوية منافسه الذي مرت عليه عشرون سنة وهو أمير الشام حتى اذا ما انتهى هذا النزاع، بشهادة الامام وتنازل الحسن أصبحت دمشق حاضرة الاسلام، وكان موقعها مناسباً لان تكون عاصمة حكومة الامويين ، فهي واقعة وسط اقليم خصب، وهي قريبة من مكة والمدينة مركزي القوة الدينية كما انها تقع على تخوم الصحراء العربية التي يتخذ الخلفاء من سكانها جنوداً يهاجمون بلاد الروم القريبة من دمشق ايضاً، ولم يكن يقلل من أهمية موقع دمشق انها لم تكن واقعة على نهر صالح للملاحة، لان تجارة المسلمين كانت حينذاك بسيطة تتبع طرق القوافل وتحمل على الابل.
واذا ما صلحت دمشق لان تكون حاضرة الامويين فانها لا تصلح ان تكون حاضرة بني العباس، فهي مأهولة باتباع الامويين ومناصريهم وهي بعيدة عن بلاد فارس، مصدر قوة العباسيين ودعامة ملكهم، وفضلاً عن ذلك فقد أصبحت مهددة بالروم الذين اغتنموا فرصة ضعف الامويين، فاخذوا يشنون الغارة تلو الغارة، كي يثأروا لاندحارهم القديم، فالعاصمة الجديدة اذن يجب ان تتجه نحو الشرق قريبة من بلاد فارس، ثم ان التبسط التجاري يقضي ان تكون على ماء يصلها بالبحر ومن هذا تعين ان يكون موقعها اما على الفرات واما على دجلة، حيث لم يتردد العباسيون ان يجعلوها هناك.
لما انتهى السفاح من حروبه ومذابحه بنى الهاشمية بجوار الانبار المدينة الفارسية القديمة، واتخذها مقراً له وتقع هذه الهاشمية على ضفة الفرات الشرقية، حيث يتفرع منه النهر الكبير الذي عرف فيما بعد باسم نهر عيسى وفيها توفي السفاح سنة 136 هجرية، وبعد قليل من تبوأ المنصور كرسي الخلافة شرع في بناء مقر له سمي بنفس الاسم، وتقع هذه الهاشمية الثانية بين الكوفة والحيرة على الجانب الغربي من الفرات، في محل لا يبعد كثيراً عن البطائح، مصب الفرات في القرن العاشر الميلادي وتقول رواية أخرى انها كانت قرب مدينة ابن هبيرة القريبة من الكوفة، ومدينة ابن هبيرة هذه هي غير قصر ابن هبيرة، لم يكن موقع الهاشمية مناسباً ليكون عاصمة بني العباس لقربها من الكوفة مركز شيعة العلويين ولان القبائل  التي تقطنها كانت لا تفتأ تثور ، وقد تركها المنصور بعد ثورة الراوندية الذين تظاهروا بتقديسه وكادوا يفتكون به.
واذا ما انتقلت العاصمة الى العراق فمن الواضح ان فائدة قربها  على دجلة خير منها على الفرات لانها تكون وسط اقليم خصب فقد كانت مياه الفرات تسقي الأرض التي بينه وبين دجلة كما كانت مياه هذا الأخير تروي الأرض الواقعة شرقيه، وفضلاً عن ذلك فان القسم الأسفل من دجلة كان اصلح للملاحة من الفرات.
وقد قام المنصور برحلات عدة للتفتيش على موقع لائق بالعاصمة فسافر من جرجايا الى الموصل، متبعاً شاطئ دجلة ووقع اختياره اولاً على موقع قرب باريما جنوب الموصل عند الموقع الذي يعرف اليوم باسم الفتحة، حيث يقطع نهر دجلة جبال حمرين ولكنه تركه حين علم بغلاء الميرة وقلتها فيه واخيراً اختار قرية بغداد الفارسية الواقعة على ضفة دجلة الغربية، شمال مصب نهر الصراة تماماً وأسس فيها عاصمته الجديدة سنة 145 للهجرة (762 للميلاد).
ويظهر من الاستكشافات التي قام بها السير هنري رولنسن سنة 1848 للميلاد انه قد كان في هذا المحل مدينة من المدن القديمة جداً فقد وجد آجراً مكتوباً عليه اسم يختصر ولقبه، كما وجد فيه خرائط الآشوريين الجغرافية اسما لمدينة يقرب من اسم بغداد.
وقد كانت تقام في قرية بغداد الفارسية اثناء حكم الساسانيين سوق اشتهرت كثيراً في صدر الاسلام، اذ هاجمها المسلمون سنة 13 للهجرة وغنموا كثيراً من الذهب حين اخذ المنصور يفتش عن موقع لعاصمته الجديدة، وقد كان في هذا الموقع لذلك الحين عدد من الاديرة وخاصة اديرة الرهبان السطوريين، ومنهم عرف المنصور خلو هذا المكان من البعوض الذي يكثر في المحلات الأخرى من دجلة، وان لياليه بهيجة باردة حتى في الصيف وكانت هذه المميزات بلا شك ما اغرى المنصور على اختيار هذا المكان موقعاً لعاصمته.
وقد اطنب مؤرخو العرب وجغرافيوهم في الكلام عن فوائد موقع بغداد المتعددة، فيذكر لنا المقدسي مثلاً ان الخليفة انصح بقول ساكني هذا المحل، ولخص في الأسطر التالية الكلام الذي خوطب به المنصور، الذي ارى يا أمير المؤمنين ان تنزل اربعة طساسج (مقاطعات) في الجانب الغربية طسوجان وهما قطريل وبادرابا، وفي الجانب الشرقي طسوجان وهما نهر بوق وكلو اذا فانت تكون بين نخيل وقرب الماء فان اجدب طسوج وتأخرت عمارته، كان في الطسوج الآخر العمارات، وانت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من المغرب في الفرات، وتجيئكم طرائف مصر والشام، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من ارمينية وما اتصل بها من تامرا حتى تصل الى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة وانت بين انهار لا يصل اليك عدوك الا على جسر أو قنطرة فاذا قطعت الجسر وخربت القناطر لم يصل اليك عدوك، وانت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب الا احتاج الى العبور، وانت متوسط البصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد كله، وانت قريب من البر والبحر والجبل.
ان التبصر الذي اظهره الخليفة المنصور في اختيار موقع بغداد يظهر جلياً في تأريخ بغداد الأخير، فقد توسعت هذه المدينة توسعاً كبيراً حتى كانت المدينة الثانية بعد القسطنطينية في العصور الوسطى ولم يكن لها نظير في جلالها وعمرانها بين مدن آسيا الغربية، ولم تستطع الحروب والحصارات وانتقال الخلافة منها الى سامراء، وحتى تخريب المغول لها، كل هذه لم تستطع ان تحط من مركز بغداد وكونها عاصمة ما بين النهرين، فاتخذها الاتراك مقراً لهم، والان بعد ان مر عليها احد عشر قرناً، اصبحت عاصمة الحكومة العراقية.