اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
مؤثثات الذاكرة
مؤثثات الذاكرة
 
ياسين النصير

كثيرًا ما نؤثث حياتنا بذكريات عن أشياء اقتنيناها أو تعايشنا معها، وبقيت شاخصة في الذاكرة والمكان، كما لو أنها شواهد دالة ، هذه الأشياء عندما نعيها، وندقق في ماهيتها بصبر المتأمل الرائي، سنجدها محتوية لأجزاء مهمة من تكويننا النفسي والمعرفي والإجتماعي، فبعض الأشياء كالدفاتر المدرسية التي احتوت شخبطاتنا الأملائية والتصويرية ثم مُزقت واستبدلت بغيرها كانت تنمو بنمو أعمارنا، نحن أيضًا كنا صفحات بيض للاشياء، هذه التبادلية بيننا والأشياء مازالت عالقة طوال سنوات العمر وتقلباته ورحلاته فهي التي  تشكل الذاكرة الرماديَّة للإنسان، الذاكرة التي يعاد بها تذكر الأشياء التي بقيت راسخة في الذاكرة، فالذاكرة الرماديَّة تعيد دائمًا خلط ما نسي من حياتنا بما بقي حاضرًا فيها.
هذا المخرج الروسي الشاعر كما يسمونه"أندريه تاركوفسكي" صاحب الأفلام الإشكالية المليئة بالشعر وبالأنا، كان قد ورث قابلية تصوير الحياة شعرًا من والده الشاعر، لكنه وهو يفتح عينيه على شساعة الحياة يجدها مكثفة في صورة، نافذة، سنبلة سوداء "فإذا رأيت شيئًا ما قبل التصوير، أتمثل لنفسي الوضع والتوتر الداخلي لتلك المشاهد الصغيرة التي يتم تصويرها بعناية كي تؤدي غرضها. ولكني لا أعرف شكلًا دقيقًا يتجسد فيه كل ذلك. أخرج للساحة كي أفهم وأشعر، وبأي شكل، وعلى حساب أية مصادر يمكن أن تكون الحالة منجزة بالضبط".
في فيلم "المرآة" وهو من الأفلام التجريبية الشعرية، يوجد بيت قديم هو مخزن طفولته الشخصيَّة، هناك عزبّة صغيرة حيث ولد وعاش والده ووالدته، صمم المخرج أن يبعث البيت القديم في الزمن من جديد، فصممه وبناه، وعندما أحضرت الأم إلى البيت، اثار البيت فيها تلك المشاعر نفسها التي كان من المفترض أن تثار في المشهد. هذا يعد نجاحًا للمخرج، فطفولة الأم لم تمت أيضًا. كان ثمة حقل صغير وكانت لدى المخرج رغبة أن يزرعه بالحنطة السوداء، لكن المزارعين رفضوا، بحجة أن الحنطة السوداء لا تنمو في مثل هذه التربة، ومع ذلك زرعها المخرج وأثمرت حقلًا زاهرًا بورود زهرية بيض .
تمنحنا الاشياء الصغيرة تفسيرًا مميزًا لنوعية العاطفة لذاكرتنا، ثمة عاطفة ترافق كل شيء اخترناه في حياتنا، وهكذا تبقى النوافذ، الأبواب، أكواخ الطين، التنانير الصغيرة، كأسات الماء، "استكانات" الشاي، الكوز، التمرات المبتردة، دفاتر الكتابة، وتلك اللمعات في الأعين عندما نوجهها للسماء مستدعين أعين الحبيبية النائمة، كل هذه الأشياء تبقى حية لأردية ملونة لذاكرتنا.