اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة
 الحبوبي التمثال الذي افتتح المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 
صلاح حسن

يعاني المهاجرون بشكل عام والقادمون من الثقافة العربية والاسلامية بشكل خاص من الخوف من تمزق الهوية والضياع في البلدان الاوروبية التي يعيشون فيها. لذلك يلجأون بكل ما يستطيعون إلى التشبث بقيمهم وعاداتهم ويقاومون الاندماج في هذه المجتمعات الجديدة ذات الثقافة المختلفة كليا عن ثقافاتهم الراكدة
وبذلك يبنون جدران عزلتهم بايديهم ويحيطون انفسهم بأسوار من التقاليد الميتة التي جلبوها معهم. غير إن المشكلة الحقيقية تبدأ مع الأجيال الجديدة التي تنشأ في ظل هذه الثقافة المختلفة وغالبا ما يكون الضحايا من الأطفال والنساء، خصوصا فيما يتعلق بمشكلة الشرف.
يعتقد الآباء بضرورة تنشئة ابنائهم على النمط الثقافي الذي ترعرعوا هم انفسهم في اجوائه. وهذا ليس خطأ تربويا بحد ذاته.. ولكن بعض الآباء يتطرفون حينما يجبرون ابناءهم على تبني نمط ثقافي احادي، معتقدين انهم بذلك يحمون ابناءهم من شرور المجتمع الجديد المتمثلة بالعادات والتقاليد الغربية. ان هؤلاء الآباء ينسون أو يتناسون ان ابناءهم يعيشون في بيئة مغايرة وفي زمن مختلف ويتلقون كل يوم معارف وخبرات جديدة ومغايرة في مدارسهم . فالطفل مجبر في البيت على القيام بسلوك معين رضوخا لارشادات الأبوين.. وفي المدرسة مجبر على القيام بسلوك مختلف تماما رضوخا لارشادات المعلم.  وهكذا يجد الطفل نفسه منقسما على ذاته فيصاب (بتمزق الهوية) انه لا يعرف بالضبط الى من ينبغي عليه الاصغاء؟!
وبما ان الآباء الأجانب يستخدمون الاكراه والقسر والتحذيرات في التربية.. على العكس تماما مما يجري في المدرسة.. فأن الطفل سينحاز في النهاية الى جانب المدرسة، يقضي الأطفال ثلاثة ارباع الوقت في المدرسة وبالتالي يتبنون النمط الثقافي الذي يحذر منه الاباء. من هنا تبدأ المشاكل لان الطفل سيفقد الثقة بأبويه وسيعد كل ارشاد بمثابة قسر منع ما يدفعه الى التمرد عليهم ومخالفة كل ما يقولونه بدافع التحدي ما يجعله في النهاية شخصا عدوانيا فاقدا الثقة بنفسه وبالآخرين.
هذه المشكلة بالنسبة للاطفال ستتفاقم عند بلوغ الطفل سن المراهقة لذلك فأنه سيلجأ الى الشارع بحثا عن اتراب له أو مجموعة معينة للانخراط بها لكي لا يبدو ضائعا. ولان الشارع يحفل بأصناف كثيرة من الشبان العاطلين عن العمل أو الذين يتناولون المخدرات ويسرقون المخازن فان فرصة المراهق في حياة مستقرة ستكون ضئيلة للغاية ان لم نقل معدومة لانه في حال انضمامه الى احدى هذه المجموعات سيكون قد حكم على نفسه بالاغتراب عن المجتمع والذات. 
 
العراقيون في هولندا 
هناك طريقتان للعيش في المجتمعات الغربية بالنسبة للمغتربين، الاولى هي الانخراط بالمجتمع الجديد وتعلم لغته ومعرفة ثقافته وبالتالي البحث عن عمل مناسب للاندماج بالمجتمع الجديد ومشاركة الاخرين في صياغة نمط مقبول من العيش المشترك. اذ يشعر الشخص المغترب في هذه الحالة انه عضو في جماعة ويسهم في بناء هذا المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي يتخلص من عقدة الشعور بالدونية والاغتراب. أما الطريقة الثانية فهي على العكس تماما، اذ يلجأ الشخص المغترب الى مقاطعة المجتمع الجديد نهائيا والعيش بعزلة تامة خوفا من الاختلاط الذي يقود الى تمزق الهوية والضياع كما يعتقد اصحاب هذا الرأي. لكن النتيجة المزرية التي تترتب على هذه المقاطعة في نهاية الأمر والتي يكتشفها الشخص المغترب بعد فوات الاوان هي الكآبة والخيبة وامراض نفسية فضلا عن الأمراض التي يعانيها أي شخص مغترب.
 
نموذجان من كلا الحالتين
قبل ان نتحدث عن هذين النموذجين لا بد ان نشير الى ان الجالية العراقية في هولندا تعد من الجاليات الثقافية لوجود عدد كبير من المثقفين والفنانين والأطباء والمهندسين فيها، لهذا لا يمكن مقارنتها بالجالية المغربية أو الجالية التركية باعتبار ان هاتين الجاليتين من الجاليات الاقتصادية. من هذا يتضح ان الجالية العراقية في هولندا تعد من الجاليات المنسجمة مع المجتمع الجديد لانها اختارت الطريقة الأولى للاندماج بالمجتمع الهولندي ويمكننا ان نختار بعض الشرائح من الجالية العراقية استطاعت ان تثبت حضورها القوي في هذا البلد. وبما ان الأمثلة كثيرة فسوف نذكر مثلا ان هناك عشرات الأطباء العراقيين يعملون في المستشفيات الهولندية وعدد لا بأس به من الأساتذة يدرسون في الجامعات والعشرات من المهندسين الذين يعملون في الشركات الكبرى. اما الفنانون والشعراء فلا يمر يوم من دون ان يكون هناك معرض للفن التشكيلي في القاعات والمتاحف الهولندية، أو مشاركة لشاعر عراقي في الاماسي والمهرجانات الشعرية .
للاشارة الى الأشخاص الذين اختاروا ان يعيشوا العزلة ومقاطعة المجتمع الجديد على قلتهم الا ان ما يحصل لهم في حياتهم اليومية يثير الألم والحزن لان هناك حالات من اليأس حصلت مع بعضهم وقاموا بالانتحار. اكثر ما تعانيه الجالية العراقية اجتماعيا في هولندا هو الطلاق الذي يعصف بحياة الأطفال بعد افتراق الأبوين ويولد مشاكل اضافية، خصوصا للفتيات اللواتي نضجن في هذا المجتمع وتربين على قيمه الثقافية والحضارية. ما ان تنضج الفتاة الصغيرة حتى يطلب منها ان ترتدي الحجاب بالقوة وهنا تبدأ المشاكل وتتضخم وقد تصل الى مراحل انتحارية تنتهي بهرب الفتاة من المنزل أو الموت على يدي والدها أو اخيها . 
  ولا تخلو قصة غير المندمجين في المجتمع من طرائف فأحد الشبان ممن لم يتعلم لغة البلد المضيف اراد ان يشعل سيجارته فقال لفتاة هولندية واقفة تدخن: "ممكن الاوتي تبعك ". وهو يقصد القول: "ممكن قداحتك"! 
ورجل كبير في السن، لا يجيد التعامل مع المجتمع وثقافته، كان يصطحب ابنه دائما ليقضي شؤونه.. طلب من الولد ان يسحب مبلغا من المال من الآلة في الشارع وما ان ظهرت النقود حتى صرخ الرجل " هذه دولة عجيبة.. الحايط بيها ينطي فلوس" .