اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان
 ابن ميادة.. صريع أم جُحْدر

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 
جمعة اللامي
 
أدين بدين الحب أنّى توجهت
  كائبه فالحب ديني وايماني
                 (الحلاّج)
 
في الخامس من شهرآب من سنة 1891 ولد زكي مبارك في مصر، بقرية يقال لها: سنتريس. وفي الثاني والعشرين من شهر شباط من سنة 1952 توفى (الدكاترة) وحيدا على رصيف قاهري، بعدما عثرت قدمه بحفرة في الشارع وارتطم رأسه بالرصيف.
اسمّيه مجنون الحب والجمال والهيام بالعترة النبوية الشريفة.
 
أما شهاداته الثلاث في (التصوف الاسلامي) و(النثر الفني في القرن الرابع الهجري) و(الأخلاق عند الغزّالي)، فكانت بعض طرائقه في الوصول الى حلمه في الحب والجمال. ولقد فرض عليه هذا الخطاب التجول في الحواري والأصقاع وزيارة بغداد والتأمل في مقابر قريش وأهل البيت الكرام
 
بعد مفتتح القرن الحالي بقليل، نبشت احدى المجلات القاهرية في أوراقه الشخصية، لتقول ان زكي مبارك دنف حبا بفتاة شابة كانت تختلف الى "اتليه القصة" بالقاهرة، قيل ان اسمها (سعدية) وانه كان يتبعها انىّ ارتحل أهلها في محافظات مصر، حتى ضاق به ذرعاً والد الفتاة وسافر بعيدا الى أعماق الصعيد. لكن ذلك لم يفتّ في عضد العاشق.
وقبل ذلك بعقود من الزمن، قالوا ان الرجل اشتعل غراما، واستوى متيما في هوى فنانة مصرية مشهورة، كتب لها رسائل حب، على نحو شعر "جميل" في "بثينة" و"كثير" في "عزة".
 
ربما صدق ذاك، وصح هذا، فالرجل مصري، وفي مصر استاذ الاساتيذ من كتب الحب والغرام، وهل ينسى صاحب حافظة ما قاله ذلك الشاب المصري، وسيم خالد، امام المحققين، عندما قتل غيلة، المستشار في وزارة الداخلية: "أنا عاشق مصر"، لأن المغدور كان ينازعه على حب مصر، مصر التي في خاطره، وفي خواطرنا كلنا!
بحث  زكي مبارك عن الحب وفيه فارتحل في دماء الشعراء العرب. وحتى عندما استوطن في باريس ردحا من الزمن، وقرأ (شاتوبريان) في لغته القومية، وتوقف عند رائعته: (آخر ملوك بني سراج)، التي اوحت (لأراغون) ان يكتب (مجنون الزا) بعد ما يزيد على قرن من الزمن، ... فإن زكي مبارك وجد مبتغاه في الحب، عند اولئك العذريين العرب، وفي الحياة غير المعلنة للمتصوفة العرب والمسلمين.
 
رجل ذهب الى انهار الحب الأولى ثم صعد الأنهار وصولا الى منابعها، ثم ارتقى تلك المنابع ليواجه مبدع كوننا الجميل، الذي خلقه كما وجهه الجميل، ليؤمن بالحب والجمال دينا، يصعب الفصل فيه بين الحبيب والمحبوب.
 
سبعون عاما ونيفا وهو يتقارب مع الشريف الرضي في ارق شعره، ويتصادق مع البكائين المحبين للعترة النبوية المطهرة في الخلوات والصوامع، ويجالس المأخوذين في مشهد الشيخ الكيلاني  ببغداد، ويكتب عن (ليلى العراقية) المريضة بالهوى، والمسكونة بعشق لا تعرف جواه الا امرأة من وشيعة المنذورات الى الطهرانية  والكتمان.
 
كان يلخص تواريخ في فاصلة زمنية قصيرة، تاركا تواريخ السياسة والأحزاب للعقاد وطه حسين، متخذا من قطارات مصر، سريراً لهجعة وجيزة ترتاح فيها روحه الظمآنة الى لقيا تلك التي تجيء ولا تجيء، ومخادنة صاحب الخرقة الذي جسده في الكوفة وروحه في غير مكان.
 وكان يوجز نفسه ايضا.
 
كل عاشق مصري، هو زكي مبارك. وكل عاشق آخر، في اي مكان آخر، رويت فيه قصة حب، هو زكي مبارك ايضا. إذ الذي بين هذا الرجل وبني قومه، أو بينه وبين الذين عرفهم أو قرأ لهم من أدباء الدنيا، كالذي بين الأرض وقطرة الماء.
ومثل كل العشاق الاحرار، كان زكي مبارك جواب آفاق، وجائلا في بطون كتب العشق والعشاق. امضى سنة إلا قليلا، يتصوف (العشق الإلهي) في حضرة الشيخ الكيلاني البغدادي، ليقول ان شعر المادح، مهما كان غرضه، وان الممدوح، مهما كانت صفاته، هما عطفة من عطفات الصانع البشري، لكي يختلي بنموذجه: حتى المتنبي كان في نظره شاعرا صوفيا.
 
ان كل ما كتبه حول شعراء الحب، وفي اولئك الذين حفرت دموع الخشية نهيرات على خدودهم، هو تلخيص لنفسه الباحثة عن تلك اللامسماة، المرأة التي ربما كان ينتظرها، عندما عثرت قدمه بالشارع، وارتطم رأسه بالرصيف، ليموت وحيدا، كما جاء الى هذه الحياة وحيدا.