اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
شعوب وعادات!
شعوب وعادات!
 حسن العاني
يقول علماء الاجتماع، إن تقاليد الشعوب وسلوكها وعاداتها، لا تنشأ عن فراغ، بل هناك جملة من العناصر هي التي تلعب الدور الرئيس في رسم معالم الشخصية لهذا الشعب أو ذاك، ومن هنا على وجه التحديد تولد التباينات، فطباع الشعب الهندي مثلاً وتقاليده، هي غيرها لدى الشعب الياباني أو السوداني، ولعل في مقدمة تلك العناصر، الارث الديني والروحي والثقافي، وكذلك عنصر البيئة الذي يلعب دوراً غير إعتيادي في تكوين الشخصية، ومفهوم البيئة واسع شامل، فهو السهل والهور والجبل والصحراء والقرية والمدينة والمناخ والحر والبرد والقرب والبعد عن مصادر المياه والغنى والفقر.. الخ، فكل مفردة من هذه المفردات يمكن ان تكون وراء هذا السلوك أو ذاك، ووراء هذه القناعة أو تلك، وبمعنى أكثر دقة، إن هذه المفردات هي التي تخلق مفاهيم إعتبارية وحياتية، على غرار العيب، الشجاعة، الحلال، الحرام، الكرم، البخل، القبح، الجمال، وما يصح ولا يصح، وما يتواءم مع الذوق العام ولا يتواءم من ملبس ومأكل وديكور وألوان، ففي العراق على سبيل المثال تميل الأسر القروية إلى مزيد من الأفرشة والأغطية، لأنها محكومة بأعراف الريف، بدءاً من غرفة الاستقبال (الديوانية) وانتهاء بعدد أفراد الأسرة وكثرة الضيوف، أما الأسرُ التي تعيش في مراكز المدينة فانها تميل الى مزيد من توفير الأطعمة، ولذلك ليس من باب العبث، إن أي بيت من بيوت المدينة يتوفر على (مجمدة) و(ثلاجة) وكل واحدة منهما ممتلئة باللحوم والدجاج والفاكهة والأجبان.. الخ، بخلاف البيت القروي الذي يكتفي بالحد الأدنى من الأطعمة..
هذا التباين الطبيعي في الهوية والسلوك والمفاهيم والنظرة الى الأشياء، بقدر ما يعدُّ أمراً اعتيادياً، سواء داخل البلد الواحد، أم على صعيد البلدان والشعوب، فإنه في الوقت نفسه يجعل الأمم والشعوب والتجمعات البشرية، ملزمة أخلاقياً بتقدير وإحترام عادات كل شعب وتقاليده، ولكي نُقرّب الصورة من الذهن، نستعين بوقائع حياتية معروفة، منها إن العروس في الأهوار تنقل الى عش الزوجية بالمشاحيف والهلاهل، وفي كردستان تُزَفُّ على إيقاع الدبكة، أما في بغداد فتجري مراسيم الزفاف تحت وابل من الرصاص، بينما تُحمل العروس في الصحراء على ظهور الابل مصحوبة بالرقصات البدوية!!! ومنها إن الرجل العراقي الكريم في توصيفنا هو الذي ينحر خروفاً لضيفه، وقد إنعكس ذلك على أقوالنا الشعبية، فنحن نعتذر للضيف بعد أن قدمنا له وجبة دسمة تضم عشرين صنفاً من الأطعمة "جيتكْ ينرادلها طلي!" في حين يعدُّ الرجل الكريم في السويد هو الذي يدعو ضيفه على قدح عصير، أما قمة الضيافة في ألمانيا فهي توديع الضيف الى باب المنزل.. وعلى وفق هذه التباينات، فإن العراقي ينظر الى جاره وكأنه واحد من أفراد العائلة (إلا ما حرم الله)، فرحُهما واحد، ومصابهما واحد، في حين يموتُ الجار في ايطاليا ويدفن ولا يعرفُ جاره!! في عموم البلدان الأوروبية يتم التعامل مع مفهوم الشرف على إنه نوع من أنواع الاخلاص في العمل، والحرص على زيادة الانتاج، والحفاظ على المال العام، وفي عموم البلدان العربية يتحدد مفهوم الشرف بثوب المرأة الطاهر الذي لم يمسسه إنس ولا جان!! في فرنسا والبلدان المماثلة لها لا يخفي الرجل عن إمرأته جريمة الخيانة الزوجية، ويعتذر لها عن لحظة ضعف إنسانية، ويتعهد بأن لا يلعب بذيله ثانية، فتعفو الزوجة، ويكون الزوج عند عهده، وفي ليبيا والبلدان المماثلة لها، يظل الرجل يلعب بذيله، حتى إذا افتضح أمرُه نفش ريشه وفتل شاربيه وألقى يمين الطلاق على زوجه!! وفي أميركا طلب عشرات الأثرياء من حكومتهم فرض مزيد من الضرائب عليهم لكي ينتفع بها الفقراء، وأطلقوا على هذا النداء إسم (النزعة الانسانية)، وفي بلدان الشرق يتبارى معظم الأثرياء للتهرب من دفع الضرائب والتحايل عليها، ويطلقون على هذا الموقف إسم (الشطارة)، وفيما يقضي أثرياء أميركا أوقاتهم في النوادي الليلية، يقضي أغلب أثرياء الشرق أوقاتهم في دور العبادة و... ولكل إمرئ من دهره ما تعودا.. رحم الله المتبني!