اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 نصب "العامل" في ساحة أم البروم صراع المقبرة مع المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
جدارية فائق حسن والسلام المفقود
جدارية فائق حسن والسلام المفقود
 ناصر الحجاج
في الفن كما في الفيزياء تبدو الحاجة ماسة للتضاد والتقابل لخلق الانسجام، سواء بين الضوء والظلام، أم بين الكتلة والفراغ، بل في حاجة اليمين إلى اليسار، حتى كأن التوازن لا يكتمل إلا بوجود قطبين، متعارضين متساويين في القوة والجاذبية متعاكسين في الاتجاه، وهذا "ربما" ما جعل حديقة الأمة بحاجة إلى جدارية هرمونية أخرى تقابل "ساحة التحرير" لا من حيث الاتجاه وحسب، بل من حيث الموضوع، والمضامين الرمزية والاسلوب واللون والرسائل، فكانت "جدارية الثورة" التي نفذها الفنان فائق حسن أشبه بجدل ديالكتيكي بين معنى "الثورة" ومعنى "الحرية" وبأي منهما أحق بسبق الآخر؟ هل تحتاج "الثورة" إلى "الحرية" لإطلاق شرارتها أم الثورة هي التي تصنع الحرية؟ 
كلا العملين الفنيين (نصب الحرية لجواد سليم وجدارية الثورة لفائق حسن) يحمل معاني الثورة، وكلاهما يحمل رمزية الحرية، مع أن "جدارية الثورة" تبدو أولى بأن تسمى "بجدارية الحرية" لأنها تخلد اللحظة الشعبية التي تعقب الثورة وهي لحظة الحرية: تحرير حمامات السلام البيضاء من قفصها، وانطلاقها في الفضاء لتملأ كل زوايا "الجدارية ـ الوطن" ليحتفي بها الطفل والأم وعامل البناء والجندي والفلاحة والطالب.. والكردي والعربي أليست الحرية لكل الشعب بكل فئاته.  لم تأخذ "جدارية الثورة" حقها من الاهتمام، كما أخذ نصب الحرية حقه، ربما لأن اسمها غير منسجم معها تماما، أو لأنها أكبر من اسم الثورة، وأوسع من أن يضمها ثوب الثورة، فهي أقرب لان تسمى "جدارية الحرية" لما تتضمنه من روح التحرر، أو "جدارية السلام" حيث مشهد ارتفاع الأيدي بالسلام والتحية والاحتفال، بل هي أقرب لأن تسمى "جدارية الحياة الحرة" لأن زهو ألوانها وتفاصيل ثيماتها الفنية تتفجر بدينامية الحياة. هناك وقف الشاعر سعدي يوسف تحت تلك الجدارية وقرر ان يسميها "جدارية فائق حسن" حين كتب قصيدته التي حملت العنوان نفسه "تحت جدارية فائق حسن" فكان ان ارتبطت الجدارية بالمجتمع العراقي، بالشعر وبالرسم بدلا من ارتباطها بالثورة وما تحمله هذه المفردة من عنف أو ضحايا. 
الثيمات الفنية التي حوتها جدارية فائق حسن، والتناسق اللوني المتفرد في أسلوب الفن الحديث القريب للتكعيبية، بل الحضور الطاغي للمرأة العراقية المتحررة أضفى على الجدارية طاقة تعبيرية سحرية هائلة، لكنه في الوقت ذاته جعل من الجدارية كيانا غريبا، وربما عملا لا متناغما مع الحياة العراقية بنسختها الجديدة الموغلة في حزنها، فحيث الانشغال الشعبي بأخبار الموت والقتل والنعي، وحيث الانهماك السياسي بالحديث عن الفساد والكتل والمحاصصات، وحيث التفاع الأم العراقية بعباءة السواد جعل من هذا العمل الفني المتفرد بروح الحياة وبهجة الحرية وانطلاق السلام عملا بعيداً عن الواقع "العراقي" المثقل بملصقات السياسيين، وبصور الشهداء، ولافتات النعي، واخبار الضحايا من كل فئات الشعب. وبرغم هذا التنافر الهائل يحتاج العراقيون اليوم إلى يعيدوا مشاهدة الجدارية، وأن يمعنوا النظر في مضامينها، فثمة مخرون هائل من الرسائل الإنسانية في كل تفصيل من تفاصيل هذا العمل الفني المتواصل الدهشة، بما يعيد للأذهان صورة "السلام" أو الأمان الغائب والغريب عن العراق، غربة هذه الجدارية في ساحة الطيران التي تحمل بعضا من روح الجدارية.