اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
جسده المنكسر ينتظر التفاتة جادة لاعماره شارع الرشيد
جسده المنكسر ينتظر التفاتة جادة لاعماره شارع الرشيد
 
 
عبيد الجبار العتابي /  تصوير : صباح الامارة
 لشارع الرشيد شخصية معمارية فريدة ذات خصوصية وجمالية متميزة فضلا عن ارتباطه بأحداث وطنية وذكريات كثيرة جعلته يقف في صدارة الشوارع العراقية أهمية وجمالية، فهو يتميز بعمارته ذات الأروقة التي تتصدرها الأعمدة ذات التيجان المقرنصة التي عددها ألف ومئتان وأربعة او كما يسميها البغداديون (دنكة) وبين دنكة ودنكة هناك سحر آخاذ، وكل اتكاءة على دكة منها هي لحظات تأمل غاية في المتعة ،هذه الأعمدة يقول عنها أهل المعمار انها تشكل سلسلة ايقاعية على طول جانبي الشارع، وهي توفر بذلك حماية مناخية للسابلة وتعطي صورة جميلة وشعورا انسانيا بالالفة مع هذه البنايات التي تحمي كتلته الضئيلة وسط الكتل الاجرية الشاهقة.
شارع بلا مساءات
 في شارع الرشيد جف الكثير من الأشياء الجميلة، اغلقت أبواب كل المحال المتفردة التي منحته تميزه فتدهورت أحواله عبر السنوات المكتظة بالحروب والحصار والجوع والألم، ولم تعد فيه تلك الابتسامات المشرقة والملامح المبهجة والحكايات اللطيفة التي ينسجها واقع الناس من يومياته وقد ضاعت المعالم التي كان الناس يتوقفون عندها طويلا ويتأملونها بدهشة وفرح وفخر ايضا، لقد انتهت وتحولت الى مجرد آلات وأدوات وأطلال وحيطان جامدة صماء فيما الشناشيل والديكورات الجميلة والزخارف ذبلت، بل ان وجعها صار يضرب في القلب ويجعل الناظر اليها يشعر بالحزن الكثيف حد البكاء، حيث لا يرى المقهى البرازيلية ولا سينما الشعب ولا مسرح شهرزاد ولا مقهى المربعة ولا اسطوانات جقمقجي ولا ساعات جواد الساعاتي ولا مكتبة (مكنزي) ولا ستديو بابل ولا ارشاك ولا اورزدي باك الرشيد، ولا حسّو إخوان وإلياس حسّو،ولا اولئك الادباء والمثقفين الذين لهم حضور بهي في المقاهي وتركوا ذكرياتهم على مقاعدها وطاولاتها ،بل ان الوحشة تغلف أغلب أرجائه والصخب يفزز صباحاته ، اما المساء فليس له حضور فيه ابدا ،فما ان تنتهي الظهيرة حتى تهدأ الحركة وتغلق المحال أبوابها ويتسرب أصحابها الى بيوتهم ،فيغدو الشارع ساحة للأشباح يخيف من يدخله.
آيلة للسقوط
الغيبوبة التي أصابتني وانا اعاين المكان القريب من الشورجة استفقت منها وقررت ان اكمل جولتي التي احبطتني مرة أخرى وانا اقف بالقرب من النفق المغلق بعد موته خنقا بسبب تحوله الى مستنقع للنفايات وممر للخوف، تطلعت الى جامع مرجان الذي تدور حوله الفوضى بعد ان أغلق الشارع من أمامه والذي يؤدي الى البنك المركزي بحواجز كونكريتية، نحو 300 متر، فصار المرور من جانب الجامع عبر ممر ضيق جدا وغير مستو، تتلاطم فيه الأجساد، الى ما بعد السوق العربي الذي صارت الفسحة التي امامه ملاذا للباعة، مغطاة بالقماش السميك (الجادر) ،ولا يسعك ان تنظر الى فوضى المكان الذي ان رفعت عينيك سترى الطابق الاول لأغلب الابنية آيلا للسقوط، فيما الشارع تتزاحم فيه عربات الحمالين وتحتل النفايات اجزاء منه.
فمن البنك المركزي وحتى منطقة حافظ القاضي، هذا المقطع من الشارع يمتد على جهتيه باعة من كل نوع وصنف وتدور فيه العربات الخشبية التي يجرها الحمالون وما اكثرها، وتشكل زحاما لا يمكن للعابر الا ان يرتطم بواحدة منها، أما الأعالي في هذا المقطع فليس أفضل من سابقه، فالتلوث البصري شاهق ولا يمكن للعين ان ترى جميلا، فهي أما مهدمة او تكاد، سألنا فقيل لنا: ان أصحابها هجروها او ان بعض أصحابها تركها للاندثار وكانت تتضرر بفعل الأمطار والعديد من الشرفات سقطت. وهذا المقطع من الشارع لا تدخله السيارات للظرف الأمني، لكن وضعه سيئ للغاية وشتاءه اسوأ من صيفه.
 لا يسعني التأمل لمرآى (عكد النصارى) ولا (عكد الراهبات) لكنني توقفت أمام تمثال الزعيم عبد الكريم قاسم، هناك وسط حديقة صغيرة أمام بناء يشكل نصف دائرة يقيم فيه باعة الانتيكات ،تشير بوضوح الى تقلبات الأزمنة، حيث أقام البغداديون تمثالا برونزيا، هو الأول من نوعه، وقد علمت ان بعض تجار شارع الرشيد هم من تحملوا تكاليف التمثال بالحجم الطبيعي، في المكان الذي تعرض فيه قاسم الى محاولة اغتيال فاشلة عام 1959 على يد مجموعة من البعثيين الذين ابتهجوا بالحادثة فأقاموا تمثالا للقاتل عبد الوهاب الغريري وهو يحمل رشاشته الغادرة ثم استبدلوه، والظريف ان الساحة هذه طالما احتضنت العديد من التظاهرات كأن المتظاهرون يستمدون العزم من الزعيم.
لا جديد في المكان حول ساحة (حافظ القاضي) التي هي عبارة عن صخب وزحام مروري حيث البضائع تنزل الى نهر الشارع بكثافة والمنطقة تضج بفوضاها، اما منبهات السيارات فهي عالم مرعب يصم الاذان، علما انه في عام 1973 صدر أمر يمنع استعمال المنبه (الهورن) في شارع الرشيد ببغداد منعا باتا!!، فيما الذاكرة تشير الى ان على الأرض المشيدة عليها حاليا عمارة التأمين مقابل ساحة حافظ القاضي كانت هناك (سينما سنترال) التي بدل اسمها فيما بعد الى سينما الرافدين، وتؤكد الذكريات ان هذه الدار اقيم فيها نزال مصارعة بين بطل العراق مجيد لولو والبطل الالماني الهر كريمر سنة 1935 ،ويقال ان  الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي كانت له قصيدة تشجيعية للمصارع العراقي يقول فيها (اخذ حذرك يابليد ، من البطل عبدالمجيد!!)
أسماء في الذاكرة
 في الجهة الأخرى من الشارع الممتدة من حافظ القاضي الى الباب الشرقي، لم يكن الحال أفضل، وقد تغير كل شيء في المكان ،(اورزدي باك) الرشيد الذي انتهى دوره ولم يعد سوى مكان يتذكره العابرون بكثير من الترحمات على أيامه، فيما البناية التي أمامه فكانت مسرح عشتار بطرازه المعماري البغدادي الجميل الذي عمره نحو مئة عام، انتهى به الحال الى الاندثار والضياع بعد ان تعرض لحريق متعمد، وهو أول صالة سينما في شارع الرشيد وثاني أهم واكبر السينمات في بغداد وتسمى سينما الوطني وبجانبه سينما الرشيد، وقد تحولت الاثنتان الى محال ومخازن للعدد اليدوية، ومع المشي قليلا تتذكر ان هناك كانت سينما اسمها (علاء الدين) وعلى مسافة منها سينما الشعب او الزوراء بطرازها الجميل تحولت الى مجمع تجاري، اما مقهى المربعة الراقية فهي آلت الى ورشة سيئة المنظر، ومن المؤسف ان المقهى البرازيلية الشهيرة، لم يعد لها اي اثر ومن الصعب التعرف على مكانها بسهولة لكنني التفت الى مكتبة اليقظة العربية فوجدتها عامرة بالكتب على قلة روادها لكنها تنعش الذاكرة وتجعل القلب يحافظ على ما تبقى من سرور فيه، ولا بأس من ومضة أمل وبعدها ثمة خراب يتمثل ببناية الاتصالات من جسر (السنك) وبناية لوقوف السيارات هي من اسوأ ما حدث للشارع، فالكثيرون يؤكدون ان من الخطأ الجسيم ان تبنى عمارة لوقوف السيارة لصق جسر السنك، هذا خطأ فادح، شوه جغرافية الشارع تماما، هنالك حركة للمارة والسيارات وباعة متفرقون لكن المكان ليس فيه ما يغري غير تذكر ان في أرضية هذه العمارة كان ستديو بابل ومصوره الشهير جان .
نقطة نظام
 أثناء تجوالي في الصف الثاني من شارع الرشيد استرعت انتباهي عمارة حديثة بنيت في الشارع امتلكت كل ميزات الطراز الذي بني عليه الشارع، لاسيما واجهته، هذه العمارة على الجهة اليمنى من جسر الأحرار، فهي ذات بناء كونكريتي حديث لكنها حافظت على هوية الشارع،ومن الممكن ان تكون نموذجا واضحا لاعمار الشارع الذي طال انتظاره،اعجبني منظرها وهندستها ،ولا نأتي بجديد ان قلنا ان أمانة بغداد سبق لها ان  دعت نحو (12) شركة عالمية ما بين إنكليزية وفرنسية وعربية لتطوير وإعمار الشارع ومنطقتي الباب المعظم والباب الشرقي من جهة وضفاف نهر دجلة من جهة أخرى، وأن الدعوة جاءت بعد النقض بالعقد المبرم بين أمانة بغداد والمكتب المعماري والشركة العراقية لإعادة الإعمار. وتجاوزت كلفت العقد 7 ملايين دولار خلال مدة 9 أشهر من تأريخ سريان البدء بالعقد العام 2009 وبالرغم من تجاوز المدة القانونية المحددة لتنفيذ بنود العقد تخلف الطرف الثاني عن الإيفاء بالتزاماته حتى تاريخ فسخ العقد عام 2011 ليتم بعد ذلك تحميل الطرف الأخير الغرامات التأخيرية ومصادرة خطاب الضمان والتأمينات المالية وإعادة إعلان تطوير شارع الرشيد واعماره، وسبق ذلك الإعلان عن إعمار الشارع ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013 لكن ذلك لم يحدث أيضا، وقد قيل ان المبالغ المرصودة له ذهبت الى خزينة وزارة الدفاع بأمر من الوزير، وسبقه تشكيل لجنة لإعمار شارع الرشيد ما بين عامي 2009 و2010 ولم يحدث شيء أيضا، ومع تزايد الوعود بإعمار الشارع وتطويره يزداد الخراب والدمار للشارع مثلما تزداد الفوضى والأزبال والاختناقات المروية، فيما تتسرب من بين ألألسن حكايات عن تعمد اهمال الشارع !!.
المقطع الأخير 
 المقطع الأخير من الشارع الممتد من جسر السنك الى الباب الشرقي يوحي بالرهبة، فهو فارغ تقريبا وواجهاته ليست أفضل من أي مكان فهي متعبة تعلن اقترابها من الاندثار وليس على وجوهها سوى كآبة وألوان رمادية، لكن الذاكرة ستعلن: هنا كانت مقهى، هنا كانت سينما، هنا كانت (استراحة) ذات أجواء شاعرية، هنا كانت مكتبة عامرة، هنا كان كل جديد وقديم يتنافسان لجذب الناس،هذه البناية العالية كانت فندقا،وتلك ايضا،وبناية ثالثة كانت فندقا ايضا ثمة  زخرفة هناك،ما كانت هكذا في البداية بل كانت حرف (s) الانكليزي وعليه خطان، ولكن غيروه لانه يرمز الى الدولار!!،وهنالك الفندق الذي كان من أجمل الفنادق،وهذا ما يدعو الى التساؤل ما اكثر الفنادق هنا،ليس هنا فقط بل على طول شارع الرشيد الذي كان مفعما بالترفيه وصناعة السرور ،لكنما الان البنايات لم تعد غير ذاكرة جامدة لا تفرز شيئا من ذكرياتها ،فقد غيرتها الأزمنة وغطاها غبارها فصارت النقوش الجميلة مجرد خربشات .
 في الانطلاقة الى نهاية الشارع لا تريد لنظرك ان يعاين شيئا لان المنغصات كثر لاسيما حينما تتذكر ما قرأته من ان هذه الأبنية لها تواريخها الموشومة على ان واجهاتها واسماء اصحابها وتخصصات تجارتها ،ولك ان تتخيل كيف كان الحال من بهجة الحضور وسرور المرور، هناك وأنا في ذروة استذكاراتي فاجأني صوت جرس انتبهت واذا به تابع الى سينما روكسي ،نظرت المكان كان خاليا والممر الى قاعة السينما معتم واعلانات الفيلم تشير الى انه قديم جدا،اطل بنظري على شارع الخيام فأبتئس لاجلس في مقهى صغير كأنني اريد ان القي زفراتي هنا ،وحين تركتها وجدتني اقف أمام المحل الذي كان يقيم فيه جقمقجي واسطواناته التي تدور مثلما يدور الزمن وقد غاب اثر جقمقجي لاغمض عيني على اخر منظر لشارع الرشيد .