اقرأ في هذا العدد
 
 




شرق وغرب
 
قلم سوفت
قلم سوفت
 
احمد سعداوي

ما الذي فعلته لنا العولمة وما بعد الحداثة؟ إنها الوفرة في الخيارات. وهي تحوي جانبين، الأول إيجابي، فالوفرة في الخيارات تعطي حرية أكبر للفرد في تشكيل خياراته الخاصة. إنها مول كبير يحوي خمسين نوعاً من الصوابين ومعاجين الأسنان. وعشرات أنواع اجهزة التلفاز بماركات مختلفة. إنها معارض سيارات باشكال وألوان متنوعة، اجندة سفر سياحية بعشرات المواقع حول العالم. ملابس وأحذية وكل شيء تقريباً. هذه الوفرة في الخيارات تدفع أياً كان الى مزيد من الاستقلالية، حتى لو كان هذا في أكثر البلدان تشدداً، فهو من خلال منظم القنوات في يده وتلفازه الخاص بغرفة نومه، يتحكم بما يريد مشاهدته من قنوات، ومن خلال النت والهاتف الشخصي يستطيع ان يصوغ نمط حياته الذي قد لا يلتقي بأي شيء مع نمط حياة شقيقه الجالس في الغرفة المجاورة.
وبعد أن كانت عينه لا تذهب الا الى بنت الجيران أو بنت العم، ثم ارتقى الى البنت الجالسة بجواره في الكلية. يستطيع الآن التعرف على فتيات من كل الجنسيات حول العالم، إن تمكن من لغة تواصل جيدة. يستطيع أن يتزوج بامرأة خارج شروط حياته الجغرافية، وهذا أمر حصل ويحصل كل يوم. يستطيع من خلال برنامج السكايب أن يعمل مؤتمراً وهو جالس على سريره في البيت. يستطيع أن يظهر أمام الناس كراهب ومتنسك، وفي البيت يقيم حفلة افتراضية صاخبة.
أما الجانب السلبي فيتعلق بان هذه الوفرة تزيد من شهوة الاستهلاك، وبالتالي تقصّر من عمر الأشياء. والمثال المناسب لذلك هو الفرق بين قلم السوفت وقلم الحبر القديم بماركاته الشهيرة. القلم القديم تملأه بالحبر وتكتب، وقد تورثه لإبنك وحفيدك، أما قلم السوفت، فرغم أناقته وجماله، إلا انك ترميه حالما ينفد حبره.
كل شيء صار قابلاً للاستهلاك والاستنفاد. كل شيء يدفعك الى علاقة قصيرة مع الأشياء. وأخطرها العلاقات مع البشر. فأمام خمسين إمرأة تعلن بسرعة انها تحبك على النت، لن تتعرف فعلاً على حبيبتك، ولن تتعرف هي على حبيبها الفعلي. يمكن أن تتخلى عن صداقات قديمة بسبب خلافات صغيرة، لأن هناك بدائل كثيرة، وهكذا، تشعر بصخب العلاقات من حولك، ولكنها علاقات تستهلك نفسها بسرعة. فيغدو الأمر وكأن الجانب الايجابي لعالم العولمة الذي يعزز الفردية والاستقلالية، لا يوجد إلا مع الوجه السلبي، والذي يعزز العزلة والاغتراب.