اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
نكات طائفية وأشياء مثلها!ـ
نكات طائفية وأشياء مثلها!ـ
 
عامر بدر حسون
amerbhassoun@gmail.com

حكى زياد الرحباني لمنى الشاذلي، ذات مرة، ان أغنية "عودك رنان" لفيروز عوملت في أجواء الحرب الأهلية اللبنانية كأغنية طائفية! لماذا؟ لان كلماتها تقول: عودك رنان رنة عودك الي/ عيدها كمان ظلك عيد ياعلي"!
الشيعة في لبنان لم يستلموها كاغنية طائفية، لكن من يدري كيف كانوا سيفعلون لو ان فيروز استخدمت بدلا من اسم علي في الأغنية اسما لشخصية لا يحبونها؟
تظنون هذا سخافة؟ الحمد لله ان كان كل القراء هكذا..! لكن تأريخنا القريب والبعيد فيه من هذه المضحكات ما يشيب له رأس الوليد، أقصد رأس الطفل وليس رأس الوليد بن الحكم! 
والشيء بالشيء يذكر، فقبل هذه الأغنية منعت أغنية لسميرة توفيق في بلدان معينة، في السبعينات، لان مطلعها كان يقول: "بيع الجمل يا علي"! ويبدو ان الرقيب منعها "تحوطا" لان فيها ذكرا لاسم علي.. وللجمل ايضا! وهو قد يذكر باشياء لا مصلحة لأحد في تذكرها! 
القضية كما تعرفون قديمة جدا جدا.. فالمتنبي، على سبيل المثال رأى الناس، قبل الف سنة، وقد تمسكوا بالقشور وتركوا لبّ الدين فسخر منهم ببيته الشهير:
أغاية الدين ان تَحْفوا شواربكم؟
يا أمة ضحكت من جهلها الامم! 
وعلى صعيد آخر، كما يقولون في الاخبار، فانني أذكر من طفولتي ان مائدة نزهت غنت أغنية "يا ام الفستان الاحمر" ففهم البعثي والقومي انها جاءت تاييدا وانسجاما مع المد الشيوعي "الاحمر" اعوام 1958-1959 وعندما "دارت الايام" قامت مائدة نزهت وغيرت فستان الاغنية، بتغير الظروف، فاصبح اخضر: "يا ام الفستان الاخضر/ فستانك حلو مشجر"! وحتى محمود درويش (وهو هنا كناية عن الشعراء) غيّر في قصائده لتنسجم مع الوضع الجديد لجمهوره ولقادة الدول التي تستقبله وتحتفي به، حصل هذا في قصيدة "سجل انا عربي" فقد كتبها يوم كان شيوعيا، لذلك كان الفلاح وعائلته في الحقل، والعامل في المصنع، يحبون الشيوعية، كما تقول القصيدة. وكان درويش نفسه يؤيد الثورة الكردية فحفظ له الكرد قصيدة كان تأثيرها رائعا يوم كان الاكراد يتحدثون عن الاخوة العربية الكردية، لكن درويش مسح تلك القصائد من دواوينه فيما بعد واصبح قوميا عربيا ثوريا.. واظن ان الناس في بلاد برة لايفعلون هذا. ولكنهم هنا يفعلون.. في الأغاني والقصائد والشعر الشعبي والألوان!
وللألوان قصص عجيبة عن علاقتها بالسياسة في العراق، ففي العام 1958 كان اللون المفضل عند الشيوعيين هو اللون الاحمر، لون العلم السوفيتي، وكان يقال عن فلان انه احمر دلالة على شيوعيته، ولبس الشباب أربطة عنق حمر، ولبست الصبايا فساتين حمر، وكان هناك قماش احمر يسمى "دم الشهيد". وعندما جاء البعثيون والقوميون، اصحاب اللون الاخضر وصل تحريم اللون الاحمر الى الطماطة! واسأل ابوك او جدك ان كنت لا تصدق وتعتبرها مسخرة.
 نعم! انها مسخرة بالطبع، لكنها لا تُضحك لانها كانت واقعا معاشا. 
وفي كل هذا كانت الأحزاب تتوج بياناتها بوصف الشعب العراقي بـ"العظيم" وكانت مقالات الصحف تشيد بذكاء الشعب العراقي وقراءته للممحي، وهو كان يموت ويعيش من أجل أغنية او لون.. فحسب!
الاكراد وبسبب تفشي الامية، اعتمدوا الوانا لاحزابهم في الانتخابات، فحزب البارزاني اختار اللون الاصفر وحزب الطالباني اختار اللون الاخضر والحزب الشيوعي اختار اللون الاحمر بالطبع، والحزب الاشتراكي اختار اللون الازرق وهكذا. وبدأت الانتخابات وانتهت.. لكن الالوان بقيت مؤممة لاصحابها!
 وفي العام 1996 زرت كردستان بمهمة صحفية فوجدت الجميع متمسكين بالوانهم، قيادة وشعبا! وتدبرت لي قميصين: أخضر وأصفر! فكنت أذهب للتلفزيون الاخضر بقميص أصفر، وللتلفزيون الاصفر بقميص أخضر، وكنت اواجه حرج المذيع من هذا "الخرق الكبير" لقواعد الالوان باخبارهم انني امارس الديمقراطية، وكانوا يوافقون لانني كنت مبعوثا من اذاعة لندن "البي بي سي" وليس بسبب بلاغة حجتي!
واشتغلت، عندما كنت في المنفى، في كتابة المسلسلات التلفزيونية ردحا من الزمن، فعرفت من المنتجين الاسماء التي يمكن استخدامها للشخصيات الشريرة والشخصيات الخيرة، فللأسماء دلالات طائفية تنظر لها دول الخليج، نظرة مبدئية عميقة وفي غاية الجد! 
الحياة العربية هي عبارة عن رموز عنصرية وطائفية، واذا رأيت في هذا مبالغة، وانه، ان وجد فهو، موجود عند الجهلة والذين لايعلمون، فانني احيلك لزياد الرحباني واقول لك انك واهم، فزياد قال ان أول من اعطى دلالة طائفية لاسم علي في الاغنية هم النخبة المثقفة وبعدها تبعهم الناس.. مع العلم ان فيروز وزياد والرحابنة لا وهابيين ولا صفويين، بل من الديانة المسيحية التي اختصرتهم داعش ايضا بحرف هو حرف نون!