اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
نصب "العامل" في ساحة أم البروم صراع المقبرة مع المدينة
 
ناصر الحجاج

حين خلد الشاعر بدر شاكر السياب ساحة "أم البروم" الواقعة وسط حي العشار في مدينة البصرة، بالقصيدة التي تحمل العنوان نفسه كتب في هامشها: "أم البروم، المقبرة التي صارت مدينة" ذاك أن الساحة كانت مقبرة اخذت اسمها من "البروم" أي القدور الكبيرة، التي كانت عائلة "الملاك" البصرية توزع بها الطعام خلال المجاعة التي ضربت العراق في عشرينات القرن الماضي، وحيث أن الساحة شهدت العديد من التظاهرات العمالية، والنشاطات النقابية، فقد اختيرت لتكون مثابة لتمثال "العامل" الذي انجزه "مجانا" النحات العراقي البصري عبد الرضا بتور ليخلد أعرق مدينة في حراكها النقابي العمالي، حيث أول إضراب عمالي في العراق عام 1918 قام به عمال الميكانيك في الداكير Dockyard (وهو أقدم معمل أنشئ في العهد العثماني لتصليح السفن والبواخر وصيانتها على شط العرب)، بعد أن رفضت قوات الاحتلال البريطاني المطالب التي قدمها عمال الداكير إلى إدارة الشركة لمساواتهم مع نظرائهم من العمال الأجانب من ناحية الأجور. 
حين نتخيل تمثالا "للعامل" ربما يتبادر إلى أذهاننا ملامح القوة والصلابة والعضلات المفتولة، نتخيل جسدا يتفصد عرقا وثورة تكاد تقاطيع عضلاته تشق ثيابه تمردا وقوة، ولا ننسى أن النحاتين بشكل عام يفضلون الانحناءات والتجاويف والمنعرجات (Curve) التي تعطي الأشكال والأجساد جاذبية أكبر، ولهذا يتم تصوير الأجساد العارية لا رغبة في الإثارة الجنسية، بل في إن المثّالين يرغبون في إظهار إبداعهم بالتفنن في اتقان تلك الانحناءات والأخاديد سواء أكانت جسدية، أم طيات وتقوسات القماش والثياب، إلا أن النحات عبد الرضا بتور ابتعد عن الاهتمام بتصوير تلك الملامح المعتادة للعامل الأسمر في مصانع الحديد، وركز بدلا عن ذلك على الملامح "المدنية" للعامل ربما ليبرز صفة التحضر في هذا العامل، ويضفي عليه الصفة النقابية والتنظيمية، حيث بدلة العمل كاملة التفاصيل تغطي الجسد بأكمله، فيما يحمل مطرقة كبيرة يهوي بها على جدار متخيّل لهدمه، وبهذا يكون النحات قد جمع بين صلابة العامل في المصنع حيث المطرقة الحديدية التي تحطم جدار الظلم، وبين العامل في بقية الحقول بزي العمل الذي يوحد طاقات العمال، ويجمع بينهم للمطالبة بحقوقهم نقابيا. 
ولعل السبب الآخر الذي دفع بتور إلى الابتعاد عن إظهار العضلات المفتولة، أنه أراد أن يعلي من شأن الطاقات المعرفية الأخرى للعامل، حيث لم يعد العمل مجرد جسد وعضلات بارزة، وإنما بات العمل الفكري والفني هو السمة الأبرز لعصرنا الحديث، حيث حلت الآلة محل الكثير من الأدوات والمطارق التي كان يستخدمها العامل قبل قرن من الزمان. هذا فضلا عن مراعاة النحات لطبيعة المجتمع العراقي المحافظة، التي قد تحاسب النحات على الأجساد الحجرية التي يبدعها، وتدعوه إلى تجنب الكشف عن أجزاء الجسد، باعتبارها عورات ومفاتن وإن كانت من الحجر والبرونز. 
لهذا يبدو تمثال العامل متسقا مع الكثير من المضامين الثقافية والفنية والإبداعية في مدينة رحل عنها الأحياء وبقي فيها الأموات، فتحولت المدينة إلى شبه مقبرة، يناسها قول السياب في قصيدة أم البروم: 
"رأيت قوافل الأحياء ترحل عن مغانيها 
تطاردها وراء الليل أشباح الفوانيس".