اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
عمره 99 عاماً.. شارع الرشيد غلطة بغدادية ارتكبها العثمانيون وعززها البريطانيون!!ـ
عمره 99 عاماً.. شارع الرشيد غلطة بغدادية ارتكبها العثمانيون وعززها البريطانيون!!ـ
 

عبد الجبار العتابي/ تصوير: صفاء علوان

لا يمكن لمن يريد ان يتأمل شارع الرشيد الان .. ان يبتسم ، فمنذ اول لقطة تلتقطها نظراته يشعر المرء بالتجهم ومن ثم يغزوه الانزعاج الى درجة لا يستطيع فيها النظر كثيرا الى ارجائه، فعلى الرغم من ان الشارع يعد اقدم وأشهر شارع ببغداد، الا انه مهمل الى حد الصخب الذي يرتج له دماغ الزمان، وقد غزته الفوضى وعاث به الاهمال منذ سنوات، وراحت التراكمات الضارة به تزداد يوما بعد يوم حتى جعلته يضيق ويختنق وتتقطع اوصاله، فلم يعد له رصيف جميل ولا نهر شارع مريح، فيما ابنيته وشناشيله ترفع ايديها استسلاما للزمن !! ، لكن الطريف هو القول المدهش من انه كان غلطة ارتكبها العثمانيون وعززها البريطانيون لانه اعطى ظهره للنهر الجميل دجلة.
في العشرين من شهر آب عام 1916، افتتح شارع الرشيد، ومعنى هذا ان عمره سيبلغ قريبا الـ 99 عاما ، وهذه الأعوام التي تشرئب باعناقها لتلامس المئة عام شاخصة بالذكريات والأحداث والحكايات والأسماء والعلامات المميزة على امتداد المسافة ما بين (باب السلطان) و (باب كلواذا) 
غلطة بغدادية
     يبلغ طوله من الباب المعظم الى الباب الشرقي  (3 ) كم، وهذه المسافة في الربع الأول من القرن العشرين هي طول مدينة بغداد القديمة من جانبها الشرقي (الرصافة)، فيما عرض الشارع لايتعدى (12) مترا، ويمكن ان نقسمه الى اربعة اقسام، الأول من الباب المعظم الى ساحة الرصافي، والثاني الى ساحة حافظ القاضي والثالث الى جسر السنك والرابع الى الباب الشرقي، تتصل به خمسة جسور هي: الجمهورية والسنك والاحرار والشهداء وجسر الباب المعظم، بمعنى انه يمتد موازيا لنهر دجلة، لكن المعماري العراقي الدكتور علي ثويني يرى ان شقّ شارع الرشيد موازيا لنهر دجلة كان خطأ كبيرا ، فقد قال لي: بغداد في الأساس بنيت خطأ، لانها اعطت ظهرها للماء، بما يعنى ان من قرروا شق شارع الرشيد اساءوا لبغداد، ومن ثم عندما شقوا شارعي الجمهورية والكفاح، جعلوا المدينة ثلاثة شوارع موازية للنهر، فلو كانت الشوارع عمودية على دجلة لكانت قد اضطرت الى ان تتوجه اليه، وهذه غلطة بغداد من الأساس.
الفكرة الأولى للشارع
    وفي العودة الى فكرة فتح الشارع (الجادة)، نجدها تعود الى القرن الثامن عشر الميلادي، يوم طرأت الفكرة على بال سليمان باشا الكبير والي بغداد عام 1780،غير ان موته عام 1802عطل الفكرة التي عادت مع تقلد داود باشا الكرجي سنة 1816وقد استعان بمهندسين انكليز الا ان الوباء الذي تفشى عام 1830 اثناه عن عزمه، لكن الوالي مدحت باشا  في عام 1868 جدد الفكرة، فرسم له المهندسون عدة رسوم اختار احدها وهو الذي يمر بين كنيستي اللاتين والسريان بسبب استدعائه من قبل السلطان وتم نقله الى الاستانة، وفي عام 1910 اراد الوالي حسين ناظم باشا تنفيذ الفكرة فأحضر المهندسين الذين قدموا له مخططات الشارع المقترح في زمن مدحت باشا فرآها ملائمة للتنفيذ لكنه اشترط عدم هدم جامع أو كنيسة فتم رسم المخطط على هذا الاساس، لكن عزله الفجائي أمات الفكرة وحين خلفه الوالي جمال باشا السفاح عام 1911انهى فكرة فتح الشارع، وسعى خلفه سليمان نظيف بك عام 1915 الى فتح الشارع غير ان غرق بغداد في تلك السنة اقعده عما يدور في خلده الى ان قامت الحرب العالمية الأولى وجاء (درغولج باشا) قائدا للجيوش العراقية وتفقد ربوع بغداد ووجد شوارعها ضيقة ولا تفي حاجات نقل المهمات العسكرية، فتفاوض مع رئيس البلدية آنذاك محمد رؤوف افندي الجادرجي، وبعد ان اتفقا احضرا مهندسي بغداد الملكيين والعسكريين وكان بينهم (فوجيل وشكاتيس)، فأمروا بوضع رسم جديد ومن ثم شرعوا بفتح الشارع (الجادة) من الباب الشرقي اولا، بدأوا بتنفيذه نهار الاثنين 20 آذار 1916، فهدموا جدران القنصلية الانكليزية وبدأوا بهدم الدور في سوق باب الاغا لتطل دار رئيس البلدية على الشارع الجديد ما احدث اعوجاجا في الشارع، فراح اصحاب الدور يقدمون الرشاوى لبعض المهندسين ليزوروا الرسوم ويحولوا هدم الدور عنها، واستخدمت السلطات المدنية والعسكرية السجناء يومها في تكسير احجار الدور التي ينبغي هدمها وفي تسوية ارضه ومن هنا نشأ المثل الشعبي «يدك احجار بالجادة» وكانت شكايات بعض المتنفذين قد اوقفت او حرفت الهدم عن امكنته المقررة ثم اوقف الهدم جوار جامع السيد سلطان علي وكاد مشروع الشارع الجديد يتوقف الا ان عودة خليل باشا والي بغداد وجهود رئيس البلدية في حينها الذي اقام عمودا خط عليه لوحا مكتوبا عليه (خليل باشا جاده سي) اي (شارع خليل باشا) نجحت في اعادة العمل ثانية من قبل العمال نهار الخميس 11 آيار 1916 وفي الساعة التاسعة صباحا من نهار الاحد 20 آب 1916 جرت مراسيم افتتاح الشارع ونقش اسم خليل باشا على قاعدة الشارع ونقش اسم خليل باشا على قاعدة منارة جامع السيد سلطان علي يوم الخميس 19 تشرين الاول واستمر هدم البيوت والحوانيت حتى انتهى العمل في الشارع بعد بدء الاحتلال الانكليزي بأيام اي في أواخر اذار 1917.
المرور من باب السلطان 
      احاول ان ابدأ رحلتي ،على عجل، من شمال الشارع حيث باب السلطان (باب المعظم)،ولا يسعني ان استطرد لان كل معلم له حكاية طويلة وذاكرته مفعمة بالحوادث ،اتطلع اولا الى المبنى القديم لوزارة الدفاع ،انظر وجه قاعة الشعب الشاحب وبابها المغلق (كانت تسمى قاعة الملك فيصل الثاني)، وانظر جامع الأزبك، وهو من المساجد التأريخية القديمة جدا ويجاور جدران وزارة الدفاع، هو الاخر مغلق، اخطو نحو المكتبة الوطنية، تتابطأ خطاي.، كأنني اسمع سنابك خيل تصطدم باسفلت الشارع تهرع من نحو مئة عام ،ذهبت بي الحوادث الى 11 / 3 / 1917 وكنت ارى قائد الجيش البريطاني الجنرال ستانلي  مود وهو يدخل بغداد، لاول مرة، من جهة الباب المعظم على ظهر فرس الى شارع الرشيد (خليل باشا جاده سي). اتخطى المكتبة الوطنية، بعد ان تحوّل (مود) وفرسه واحصنة جيشه الى دخان، لانظر جامع المرادية المقفل بابه  الصديء، لاجدني أمام فضاء مفتوح لشارع الرشيد، على يساري ساحة الميدان على يميني سوق هرج، من هنا يبدأ الرواق وتلك الأعمدة الملفتة للنظر، حيث المسافة بين عمود وآخر لاتزيد عن نحو أربعة امتار، هذا الرواق يمتد طويلا الى الباب الشرقي وهو  هوية الشارع وأهم ميزاته  وعلامات جماليته. 
خراب واهمال
   ساحة الميدان .. انفتحت وظهرت ملامحها التي غيبتها الحواجز الكونكريتية لسنوات وقد اشتدت فيها العمليات الارهابية، وانتشر على اطراف منها باعة الاطعمة و(الانتيكات) وكل شيء عتيق من ملابس ومواد منزلية، لكن  الواجهة الامامية لسوق الهرج تمنح المكان قسوة، فالطابق العلوي لكل ابنيته مهدمة او متهرئة وغير مسكونة طبعا، فهناك الخراب يعلن عن نفسه، فيما الارصفة وبعض من نهر الشارع متخمة بالاغراض المختلفة الألوان والأشكال والاستخدامات والمجلات القديمة، المنظر قاتم وان شممت فيه رائحة بغداد القديمة، لكن بالنكهة المحببة الى النفوس، فيما سرني النظر الى مقهى ام كلثوم التي وقفت على بابها فسمعت غناءها، قلت لبائع مجلات في الطرف القصي من المكان: كيف ترى حال الشارع هنا؟ فقال: من سيء الى اسوأ ولكنه بالنسبة لنا واقع لابد ان نعيشه حتى وان كان على هذه الشاكلة من الاهمال. 
الرصافي يهز يده!!
      كان الشارع من الميدان الى ساحة الرصافي لايمتلك الحيوية وملامح المكان ليس فيها سوى القبح ينتشر على سطحها، فالشرفات متآكلة واسيجتها متساقطة والألوان قاتمة، صحيح هناك بعض الحركة والمحال التجارية استعاد بعضها عافيته، خاصة بعد تعمير وازدهار شارع المتنبي ولكن الصورة العامة ترسم لقطات من أسف على ما آل اليه الشارع في هذا المقطع، نظرت الى (مقهى الزهاوي) لم اجد فيها الزهاوي ولا رائحة منه، وحين مددت رأسي في مقهى (حسن عجمي )هالني منظرتها من الداخل، كان المنظر مؤسفا، فالاشياء متراكمة وتكاد المقهى تتداعى،حيث الرطوبة تصرخ في ارجائها، فلا (سماورات) هناك ولا (قواري) الشاي الذي يعدّ على الفحم، ولا صورة لحسن عجمي وهو يرتدي الزي البغدادي التراثي (الصاية والجراوية )، فيما حاول صاحبها (الحديث العهد بها كما يبدو) ان يمنحها لونا بنفسجيا كأنه يسخر من تأريخها، اما ما فوقها فليس الا هيكل خاو آيل للسقوط، تذكرت مقهى (البرلمان) حاولت ان اجدها لكنها تحولت الى محال تجارية فلم يبق غير توهج الذكرى، التفت الى يساري فداهمتني لوحة (كعك السيد)، احاول ان انفض غبار الازمنة فلم استطع، فوقفت أمام رواف عجوز وقلت له: مازلت اراك هنا، فقال وماذا افعل انني التقط رزقي وان كان شحيحا،    حلقت بنظراتي الى جامع الحيدرخانة وقبته قبل ان اطلقها الى الفوضى العارمة في الأمكنة والطرقات الضيقة التي تفوح منها روائح غريبة، لكنني عبرت شارع المتنبي بسرعة لاقف امام تمثال الرصافي الذي شاهدته يهز يده اسفا على ما يجري حوله. 
صخب واقتراح 
 من تمثال الرصافي.. تمنع السيارات بالمرور، ويتحول الشارع منه الى مدخل الشورجة الى سوق كبير يعج بالباعة والمتبضعين في زحام مثير، واكوام هائلة من النفايات واصوات عالية تنادي على نوعية البضائع فيما اصحاب العربات الخشبية السيارة يتدافعون بتحذيراتهم ولكن من يأبه، فالمكان صورة مفجعة تماما، فكل شيء ها هنا يصرخ ان هذا المكان لا علاقة له بشارع الرشيد الذي نقرأ عنه في عقود ما قبل الحرب العراقية الايرانية، قلت: يا آلهي .. كيف يحتمل الشارع كل هذا الخراب، كيف لهذا الشيخ التسعيني ان يداس في بطنه بهذا الشكل الذي تنعدم فيه الشفقة، توجعت عيناي وانا اتابع ما يجري على ارض الواقع حيث المشي على الرصيف صعب والمشي في نهر الشارع اصعب، قررت العودة الى الخلف لاخفاء ذهولي وقد تذكرت الدعوة التي اطلقها الأديب الراحل موسى كريدي بجعل شارع الرشيد بلا سيارات، وهو نهج معول به في شوارع كثيرة من العالم فتخلصه من الكثير من الملوثات والمزعجات ويفتح المجال واسعا للتسوق وبالامكان حين ذلك عمل كل ما هو مفيد ويعيد للشارع صفته الفنية والثقافية، ومن الممكن ان يقام فيه مهرجانا بغداديا شعبيا يكون تقليدا سنويا، لكنني قلت ليس على شاكلة هذه الفوضى!!.