اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
كلام في الثقافة
كلام في الثقافة
 
حسن العاني

... هكذا علمنا أولياء أمورنا من ذوي الرأي الثاقب، والحكمة المجربة، والعقل الراجح، إن الثقافة ليست إدماناً على قراءة الكتب الوجودية بعد الافطار الصباحي، والكتب الماركسية بعد الغداء، والكتب الدينية بعد وجبة العشاء، وكتب السحر الصفراء قبل النوم، وإنها كذلك ليست شهادة دراسية مزججة ومؤطرة بخشب الأبنوس، تعلّق في غرفة الضيوف للمباهاة، أو عند مدخل الدار طرداً للغيرة وعيون الحساد، بل هي أولاً وأخيراً، وقبل أي شيء وكل شيء، (سلوك وتعامل وتصرف)، وكيف نواجه مواقفنا الحياتية، ومن هنا نقول (مثلاً)، عن بائع الفاكهة الذي إضطرته الظروف الصعبة الى ترك المدرسة، بأنه (خوش إنسان)، ومفردة (خوش) كما تعلمنا معناها من شعبنا الكردي تعني (جيد) وأولياء أمورنا يذهبون الى القول: إن (خوش إنسان) تعني (مثقف)، لأن العمل الجيد لا يصدر إلا عن المثقفين، لكون الثقافة في معناها الشائع والمتعارف عليه، هي عنوان (إيجابي) كبير، ذلك لأن هذا البائع (الخوش) لا يغشك في بضاعته، ولا يسرقك في ميزانه، ولا تسمع منه إلا صادق الكلام ورقيقه، مثلما نقول عن فلان الفلاني – خريج الجامعات البريطانية- إنه (مو خوش آدمي)، ومفردة (مو) باللهجة الشعبية العربية، أداة نفي، وعندها يصبح مدلول العبارة (إنسان غير مثقف) مع إن طول شهادته قرابة المتر، وآية ذلك، إن هذا (الموخوش آدمي) يرى نفسه فوق الآخرين وأفضل منهم، ويعاني من يد مغلولة الى صدره، لا يمدّها في أحلك الظروف لمساعدة الغير وعونهم!
بهذا المدلول البسيط والواقعي، تخرج الثقافة من عنوان الشهادة والدرجة الوظيفية وحجم المكتبة المنزلية، لتدخل الى الطريقة التي يحترم بها الانسان نفسه عبر إحترامه للآخر، وعبر تعامله مع الأشياء المحيطة به بمسؤولية عالية، أنا لست مثقفاً لأنني عميد الكلية الفلانية أو رئيس الجامعة الفلانية، ولكنني مثقف حقيقي لأنني أطفأت مصباحاً كهربائياً في منزلي فائضاً عن الحاجة، وبهذا المعيار فان سائق سيارة الأجرة الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه شديد الانتباه الى الشارع وما حوله، شديد الاحترام لقوانين المرور وحلالها وحرامها، ولا يطلق العنان لجهاز تسجيله بما يطيب له من (أصوات)، قد تثير قرف الآخرين، ولا يستغل الراكب، ولا يعمل على راحته، يعدّ مثقفاً ثقافة عالية، ولا تقِلُّ عن ثقافته شأناً، معلمة مدرسة ابتدائية تستثمر كل دقيقة وثانية من وقت الدرس للتواصل مع تلامذتها الصغار علماً وتربية، أو موظف إستعلامات، مؤهله العلمي شهادة المرحلة المتوسطة، لا تغادرُ الابتسامة وجهه، والكلمة الحلوة سيدة اللغة عنده ووسيلة التخاطب، وهو يجيب عن استفسار هذا المراجع ويوضح له مسار المعاملة وإلى أين يجب أن يذهب، أو يسهّل أمر ذلك المراجع لأنه يتوكأ على عصا الشيخوخة أو المرض، ولا يجادل أحد على ما أعتقد– إلا إذا كان في نفسه مرض- ان الذي يضع الله والضمير والشرف ساتراً بينه وبين الرشوة أو الغش أو التزوير، هو سيد عظيم من سادات الثقافة ووجهائها وعيونها!!
ولنا أن نسترسل في ضرب الأمثلة والنماذج الى ما شاء الله و... وكذلك علمنا أصحاب العقول الراجحة والآراء السديدة والخبرة الطويلة من أولياء الأمور، فقالوها وأعادوا القول، إن الثقافة بهذه الوجوه السلوكية، والتصرفات الحياتية، هي إلتزام ومسؤولية وبناء أخلاقي بأوسع جماليات الأخلاق ومعانيها النبيلة.