اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
تحية من بيكيت
تحية من بيكيت
 
نرمين المفتي

الانتظار متعب أحيانا وموجع في أخرى، وحين يطول لا يصبح سوى عبث لا كنه له، هكذا كتبت في نهاية بحثي عن مسرحية (في انتظار غودو) لبيكيت في المرحلة الثالثة لدراستي الجامعية في درس النقد. الان اراجع بيكيت الذي يعده الكثيرون الأب الروحي لمسرح العبث وانظر حولي، لا اجد غير كلمة العبث وصفا أو شرحا لما يجري. صباحا وفي خضم الزحام للوصول الى الدائرة لابد لي من المرور بمنطقة الباب الشرقي، اقف لدقائق تطول أحيانا قرب نصب الحرية ويبدو الشهيد الذي تحتضنه أمه ينظر من خلالها إلينا ينتظر دمه، بينما الجندي الذي يحطم سجنه ينتظر نهاية لفعله، مرة أخرى ينظر إلينا. موكب مسؤول بسيارات دفع رباعي ورجل كهل بلحية بيضاء يبيع المناديل الورقية والعرق يبلل وجهه ولحيته وامرأة منقبة تسحب طفلا كاشفا بطنه المجروحة وشاب يقفز بين السيارات يبيع بطاقات شحن الموبايلات واخر يبيع الماء البارد وشرطي مرور يحاول جاهدا ان ينظم السير كي يمر موكب المسؤول، لكن الزحام يجعل من الانتظار سيد الموقف. هنا، الانتظار فعل كبير، السائق ينتظر إشارة رجل المرور و المرأة المنقبة تنتظر يدا تمتد اليها والرجل الكهل ينتظر ان يعطيه احدهم منديلا ليمسح عرقه وجواد سليم ينتظر دم شهيده ليثمر فرحا، ربما. وأخبار الصباح الأولى من المحطات المختلفة لا تختلف في مضمونها وان اختلفت الصياغات تتحدث عن العنف الذي يجتاح المنطقة كلها، عنف عبثي لا يختلف عن عبثية انتظار ما.. 
واقعنا عبثي لدرجة ان كان بيكيت على قيد الحياة لرفع فيها قبعته ليحيي من ألف مسرحيتنا هذه التي جعلتنا ننتظر، ننظر من خرم إبرة ليفتح باب غير موجود. واحلم، ماذا لو انتصرنا على بيكيت ، بمعنى ان نجد نهاية لانتظارنا، ان نتخيل بابا ونقتحمه حتى قبل ان ندقه، ففي فعل الدق انتظار أيضاً، سنجعل المسؤول ان ينظر الى الشارع، ان يسأل المرأة التي تتسول بجرح طفلها حاجتها وان يعيدها الى مخيمها أو ملجأها وان يعطي للكهل علبة مناديل ورقية وان يمنح الطمأنينة لوالدة الشهيد ان دم ابنها لم يذهب سدى وان يحيي الجندي الذي حطم الأغلال ويؤكد له ان القوى الظلامية لابد وان تنتهي الى لا عودة. نحن من يجعل من الانتظار عبثا أو فعلا بقيمة أمل. اعرف ان ما يجري حولنا يحاول ان يدفعنا الى اليأس، لكن خيار البقاء هنا كان قرارنا، إذن لابد من العمل لدفع اليأس جانبا. لا املك حلا سحريا، في المقابل فان الشباب الذين أسسوا مجاميع تطوعية لمساعدة النازحين والمحتاجين والشباب الذين يكتبون ويمثلون ويعزفون ويرسمون  ويرغمون الحياة ان تكون من حصتهم والشباب الذين يقاتلون ويواجهون الموت، مرة أخرى ليرغموا الحياة ان تكون من نصيبهم يمنحوننا جرعات أمل، لكنه أمل مشروط. ان يترك البعض مراقبتهم وتوجيه النقد اليهم، لكل دوره، الذي يقاتل والذي يعزف ويرسم والذي يساعد الآخرين، ادوار تكمل بعضها البعض لتمنح بعض معنى لليوم او للواقع العبثي، انهم من سيرغم الانتظار ان يتخلص من عبثيته وان يتحول الى بعض أمل.