اقرأ في هذا العدد
 
 




افكار
 
من جماليات القرآن
من جماليات القرآن
 
كاظم حسوني

روحية الحوار القرآني توحي دائما بالانفتاح والتسامح الرحب وقبول الآخر وتتمثل ايحاءات الحوار ودلالاته في اسلوبه الفريد وصياغته ونظمه البديع، ولعل الصورة الأكثر بروزا بيان مستويات الحوار كما ينطق به بعض اي القرآن الكريم، فحين يدعو النبي ابراهيم (ع) أباه الى الايمان بالله قائلا (يا أبت اني اخاف ان يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) هنا نقف أمام لفظ (يا أبت) المحمل بالرفق والمحبة والأدب الجم للأب، نلاحظ رد أبيه المتسم بالقسوة البالغة (لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا)، فكان جواب ابراهيم (ع) اللين والرقة المفرطة (سلام عليك سأستغفر لك ربي) نرى الجواب المتسامح مقابل الفظاظة والتهديد بالقتل، فالأب لم يناد (يا بني) كما ورد في سياق القصة، بل خاطبه بجفاء (يا ابراهيم) بخلاف خطاب ابراهيم (ع) (يا أبت) المثير للمشاعر والمشحون بالأبوة والعاطفة، ونجد ذات التباين في حوار (نوح) (ع) مع قومه في محاولة لاقناعهم برسالته وكلماته تفيض بروح الأخوة والحرص الكبير لارشادهم (ولقد ارسلنا نوحا الى قومه، اني لكم نذير مبين، الا تعبدوا الا الله اني اخاف عليكم عذاب يوم اليم) فكان ردهم عنيفا (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المجرومين)، اذ نرى الكلمة الوديعة تقابل بكلمات المكابرة والعناد، لأنهم ليسوا بمستوى الحوار، فكلماتهم تكشف عن طبيعة عقليتهم الضيقة، التي لا تريد ان تعي، ولا تحمل فكرا كما يجب مقابل فكر أو تقيم حوارا مقابل حوار، كذلك حصل ذات الأمر مع سائر الانبياء العظام، كما ورد في قصصهم بالعديد من السور منها (هود) و(الاعراف) و(والانبياء) وسواها من السور القرآن الكريم، حيث كانت حواراتهم تمثل دروسا في الصبر والتسامح، ومنهجا رائعا للسير في طريق الحياة، ونلتقي ايضا في كثير من الآيات القرآنية الكريمة التي حاور فيها نبينا محمد (ص) المشركين واهل الكتاب وهو يعرض فيها الرسالة ويبين دلائل التوحيد والنبوة وسواهما من شؤون عقيدة الاسلام.. واعتمد القرآن اسلوب الحوار في معالجة كثير من القضايا في اطار السؤال الاستنكاري وبصيغ مختلفة في قضية الشرك والتوحيد واسرار الخلق وبدائع الصنع والقدرة الالهية المطلقة، اذ جاء بوصفه آخر الكتب السماوية ليعلم الانسان كيف يكون الحوار طريقا بناءً للفكر الحر والمواجهة النزيهة والعمل.