اقرأ في هذا العدد
 
 




شرق وغرب
 
عشيقة تلفون
عشيقة تلفون
 
احمد سعداوي

قرأت في بعض التقارير المترجمة أن قضاء أكثر من اربع ساعات كل يوم مع مواقع التواصل الاجتماعي، بالنسبة للفرد العادي، يدخل في باب الإدمان. ومن مشاهداتي اليومية، صار عندي أكثر من دليل على أن الكثير من الشباب تجاوزوا سالفة الأربع ساعات بكثير. وقد ترى شخصاً تكاد تصدمه سيارة لأنه منهمك مع شاشة موبايله ولا ينتبه لنزوله الى الشارع، أو يلتقي أصدقاء في جلسة فينقضي نصف وقتهم دون تركيز كبير لأحاديث بعضهم البعض الآخر، بسبب التنبيهات التي تأتي بكثرة على الموبايل من الانستغرام والواتساب والفايبر والفيسبوك إلخ.
ولنكن صريحين؛ أغلب الجهد الذي ينفقه الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي هو من أجل "التواصل الاجتماعي" مع الجنس الآخر. وفي مرة كنت جالساً في مكتب للانترنت وجاء شاب صغير لم يبلغ العشرين من عمره بعد وخاطب صاحب المكتب قائلاً: (الله يخليك سويلي هذا اللي يحكون بيه مع البنات).!
لقد اختصر الشاب كل تقنيات التواصل بمجرد كونها وسيلة للالتقاء مع بنات. وكأن الأمر، في الأعم الأغلب مجرد تطوير لصورة ثمانينية شائعة؛ حيث السهر حتى ساعات الفجر الأولى، مع التلفون الأرضي، والحديث الطويل مع شاب أو بنت مجهولين او معلومين. وقد كتب عبد النبي اليوسفي قصة جميلة عن مفارقات الالتقاء مع عشيقة تلفون على أرض الواقع. كان يرسم لها صورة باهرة من خلال صوتها فحسب. ثم كانت الدهشة بالنزول الى الواقع، فالمرأة كانت أدنى بمراحل من صورتها المتخيلة، وهذا ليس ذنبها. هذا ذنب الخيال الجامح.
اليوم، بسبب ضعف المغريات الواقعية، وعدم وجود منافذ كثيرة لخلق تواصل حي مع الآخرين، وشحوب الامكانيات التي توفرها الدولة للشباب، وقلة مصادر الترفيه التي تعتمد على الطابع الاجتماعي، صار التعلق بوسائل التواصل الاجتماعي بديلاً فوق العادة لحاجات متنوعة، ففضلا عن حاجات التعرف والتعلم والاستزادة من المعلومات ومتابعة الأخبار، يبقى البحث عن الجنس الآخر هو الهاجس الأكبر.
ولن يحتاج أحدنا ان يكون عالم نفس كي يعرف أن التعلق الشديد بهذه العوالم الافتراضية سيضخم من الاحباطات والشعور باليأس، ويزيد السلبية، ويجعل مواجهة الواقع الفعلي أشد قسوة وألماً. أما مواجهة هذا الأمر فتحتاج الى كلام كثير.