اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
جمع بين ضفتيه قادة رأي ومحتالين ودهاقنة القمار.. الباب الشرقي..علامة فارقة يزينها نصب الحرية
جمع بين ضفتيه قادة رأي ومحتالين ودهاقنة القمار.. الباب الشرقي..علامة فارقة يزينها نصب الحرية
 

عبد الجبار العتابي/ تصوير: صفاء علوان

كانت المنطقة ولاتزال عالما مثيرا للدهشة، تنظرها فتهب عليك علامات الاستغراب لتثبت حولك كالأشجار وتتأملها فتشجيك خطوطها وتلفك بعلامات تعجب فلا تلتفت اليها الا بابتسامة مغرورقة بالجنون، منطقة صنع النكتة ومأوى للهاربين من الجيش والشرطة والحياة، تسكنها شخصيات من قاع المدينة، من لصوص النهار الى المتسولين الى باعة الأقراص الاباحية الى باعة (البالات) الى النساء الغانيات الى الغلمان.
منطقة الباب الشرقي، هي المركز المهم في مدينة بغداد والأكثر زحاما وازدحاما وحركة، والذي ينظرها من علو، ستبدو له كتلة واحدة متحركة مثل حيوان الاسفنج تماما، وهي على استعداد ان تبتلع كل شيء، والاهم.. انها منطقة ذكورية خالصة، أجل .. منطقة لا تمر بها المرأة الا من اطرافها، فالباعة رجال والمتسوقون رجال والمتحركون في بطنها رجال ونسبة المرأة فيها واحد في المئة ألف ربما، وان وجدت فليس الا على طرف قصي أو من أجل ركوب سيارات النقل العام،.. لكن زحامها هو الذي يدفع المرأة ان تكون بعيدة عنها، فالاكتظاظ حد الالتصاق هو السبب.. فضلا عن كون البضاعة هي رجالية 99% الا في بعض الاهتمامات المشتركة، اذن هي سوق كبير ومرآب كبير وملعب يلعب فيه الكثيرون ما شاء لهم من (ألاعيب) واحتيالات وممارسات سلبية وسيئة.
باب كلواذى 
   استميحكم عذرا، دعوني أمر بكم على تأريخ هذه المنطقة وأقرأ لكم شيئا منه، فالدكتور حسين امين المؤرخ المعروف،رحمه الله، يقول: لما شيد الخلفاء العباسيون سور بغداد الشرقية جعلوا للسور أربعة ابواب: باب السلطان الذي هو الباب المعظم، باب الظفرية وهو الباب الوسطاني، باب الحلبة وهو المعروف بباب الطلسم خلف محطة البنزين في باب الشيخ وباب البصلية ويعرف ايضا بباب كلواذى وهو الذي كان قائما مكان ساحة التحرير الحالية وسمي بباب كلواذى لانه يؤدي الى قرية كلواذى التي تشمل محلات السعدون والعلوية والكرادة الشرقية حتى بناية جامعة بغداد في الجادرية، وكلواذى كلمة ارامية، أما باب كلواذى أو باب البصلية الذي صار يسمى في العهد العثماني وحتى الان بالباب الشرقي فقد ازيل سنة 1938، ومن الجدير بالذكر ان الانكليز اتخذوا باب البصلية كنيسة لهم بعد احتلال بغداد.
الباب (الشرجي) !!
      اعود الى الباب الشرقي الحالي، فأرسم المنطقة كما هي وان لم استطع ان ألمّ بكل تفاصيلها، فمن الصعب الوصول الى قلبها أو التمكن ممن التقاط صورة شاملة لها، لكنني سأبدأ من الاسم المتداول (باب الشرقي) الذي اكدته هيئة النقل الخاص وركزته على سياراتها العاملة بعد ان حذفت (الـ) التعريف، فصار مضافا ومضافا اليه وليس صفة وموصوفا، وهو لا يعطي صفة الاسم الحقيقية، لكنه عند العامة (باب الشرجي)، قلبوا القاف الى جيم، وعلمت من مصدر موثوق ان البغداديين، حتى نهاية الستينات، ما كانوا يلفظون كلمة (الشرجي) بل انهم يلفظونها (الشرقي) ويبدو ان الهجرة وتكاثر المهاجرين من الريف خاصة، هي التي منحت اللفظة الجديدة هذه الشهرة التي ألتصقت بهذا المكان..
    ولا بد للناظر ان يبدأ من نصب الحرية، للفنان جواد سليم، الذي يرتفع في ساحة التحرير حيث تمتد خلفه حديقة طويلة حتى ساحة الطيران (حديقة الأمة) حيث تقف هناك لوحة رائعة (جدارية) للفنان فائق حسن، وعلى الرغم من ان جواد سليم وفائق حسن صديقان الا انهما بفعل فاعل صارا  يديران ظهريهما لبعضهما.. من ساحة التحرير لا بد من التفاتة الى (نفق التحرير) ومحاله التجارية التي بداخله، ذات الحال المزرية والمغلقة ابوابه الأربعة منذ نحو 13 عاما، حيث اصبح يثير الريبة والخوف بعد ان كان تحفة فنية ومحطة استراحة، ويجب ان اذكر قول احد الفنانين التشكيليين من ان النفق اضر كثيرا بنصب الحرية وضيق مساحة الرؤية إليه.
 
دور السينما المخربة
   من أول الرصيف الضاج بالبسطيات العارضة لكل شيء على سطوحها، اتطلع بدهشة واقرأ محتويات الكميات الهائلة من الأدوية والمراهم التي تتعلق بالجنس، اشياء كثيرة وكبيرة ومختلفة الأشكال والألوان، وبعضها بصور توضيحية، وبعضها بكتابات باللغتين الانكليزية والصينية، وهو مما لم يكن له وجود من قبل، هنالك ايضا تزدهر تجارة الموبايلات الحديثة والمستعملة، ومن ثم هناك المرآب الكبير لسيارات النقل العام  الذي اقف أمامه واغمض عيني ّ لاستذكر المكان، الى سنوات ليست ببعيدة أواخر السبعينات مثلا، أجده لم يكن هكذا، أيام كانت فيها بنايات وتشخص في مقدمتها سينما الحمراء وبجانبها سينما ميامي على الشارع العام المقابل لحديقة الأمة، وأراني ارى الدارين تشهدان حضورا جماهيريا وافلاما جديدة، لكن المكان تهدم  لأسباب غير معروفة وتقلبت احواله حتى صار مرآبا عاديا ثم سرعان ما اقتلع بعد ان صار سوقا كبيرة لباعة الخردة وآخر موضات العصر وصرعاته ومن ثم اعيد ليكون مرآبا مرتبا نوعا ما ومسقفا، فيما تقف خلفه دارا سينما الرصافي وشهرزاد، اللتان اختفتا خلف حائط المرآب وصار شارعهما عتمة وزحاما بسبب الأعداد الهائلة للملابس المعلقة و(البالات) وإذ تحولت سينما الرصافي الى متجر فقد ظلت شهرزاد  في غيبوبتها، لكن جرسها يقرع باستمرار وقد بدا المدخل هناك مخيفا ومثيرا لهواجس الريبة، ولا نعرف من هم رواد السينما!!
مرتع الهامشيين
    المنطقة الأهم في الباب الشرقي هي المكان الذي على شكل مثلث قاعدته قاعة كولبنكيان (النصر) للفنون التشكيلية، ورأسه (مرافق صحية) قديمة مع قدم المكان، وهذا المثلث فيه ابنية قديمة ما زالت شناشيلها قائمة لكنها متهرئة وكله محال تجارية مختلفة العناوين والبضائع فيما فروعها الداخلية في الأغلب الأعم هي الخياطة وباعة الملابس العسكرية  تحديدا باختلافها وأحدث ما تطرحه المؤسسة العسكرية من تصاميم فضلا عن الأحذية العسكرية والرتب. وهذه الطرقات صغيرة ومغلقة تماما بغابة الملابس المعلقة، لكن يجب الاشارة الى مقهى صغير هناك هو العلامة الفارقة في المكان، الا ان الشارع  المحاذي له وهو شارع سينما غرناطة (طوله 110 امتار) الذي ينتمي الى محلة (الفناهرة) القديمة التي تنتهي تفرعاتها عند هذا الشارع الضاج واقعه بالعجب فهو شارع مغلق على ذاته ويباع على أرضه كل ما لا يخطر ببال بينما المحال التجارية النشطة اصابها الكسل وعلى حد قول احدهم لي (لم يعد المكان ملائما للعيش وقد تعطلت الأبنية) كما حكى لي عن سلبيات الشارع الذي تحول الى ساحة وقوف للسيارات (حسب المزاج والدفع)، وفيه بعض المحال التجارية لباعة الأصباغ والمعدات، فيما ينتشر باعة الخردة على مساحات واسعة منه وتغلقه عربات  وبسطيات أصحاب الألبسة وباعة الأحذية الصينية الرخيصة والعصائر والأطعمة والأقراص المدمجة، على ايقاعات جرس السينما التي نالها البؤس بعد هيبة ومجد وصارت مرتعا للهامشيين على الرغم من المحاولات لاعادة (النظافة) اليها ولكن!.. وهناك من السهل ان تشاهد دائرة يتحلق حولها الكثيرون للعب القمار (الثلاث ورقات)، لكنها سرعان ما تتلاشى لتنفتح في مكان آخر قريب ومن السهل ايضا ان ترى سكارى يتمددون ملتصقين بالحيطان ومتسولين ملوا التسول!! وصار همهم بعض الطعام، أو تشاهد شواذ الجنس يتمايلون وهم  بانتظار اشارات من مكان معلوم، فيما (ظهريات) الصيف هي الأخطر اذ تخلو المنطقة بعد الساعة الثالثة، ولا عجب ان يأتيك تحذير بخطورة التفرعات المؤدية الى الفناهرة فهناك من يتربص بالوحيدين من المارة لسلبهم أو الاعتداء عليهم، ان قاموا بمقاومتهم، وأراني هناك ارفع رأسي الى تلك المقهى في الطابق الأول من بناية تقع في طرف الشارع وقد كانت محطة استراحة للمتجولين في الباب الشرقي لكنها اندرست، وبالقرب منها يكون السوق المسمى (سوق هرج) الذي تجتمع فيه (بالات) الدنيا وعتيقها، لكن ازاء هذا البؤس ثمة سخرية وفكاهة ونكات تصاغ من واقع الحال فتنطلق هائمة على افواه الناس، فهؤلاء الهامشيون ليس لديهم سوى ان يقتلوا بؤسهم بالضحك وينقلبون على فقرهم بتحسين حال المزاج فليس لديهم ما يخسرونه، فيختلقون المرح ويعجنون الكلمات ويضحكون حتى بلا سبب لان عليهم ان يوقدوا نار ما ليتدفأوا بها..
الضحك بلا سبب
هناك، اسأل الروائي خضير الزيدي، صاحب كتاب (الباب الشرقي/ رواية الضحك بلا سبب) عن الباب الشرقي، فقال تناولت تأريخ (الباب الشرقي) من أيام كان ابو نؤاس يعبر هذه المنطقة عندما كانت غابات، ويذهب الى مكان سكناه، في القرن الرابع الهجري وهي سرة بغداد، ولكن التحولات الدراماتيكية التي طرأت على البلد جعلت الباب الشرقي منطقة حياتية يومية تعيش فيها أصناف من البشر في ربوعه ودهاليزه واروقته المظلمة نحو أيام لا تنسى، اخص باعة البالات من عباس حربة الى يونس الطيار مرورا على باعة بالات الحقائب والسوداني الوحيد هناك وباعة اقراص الفياكرا بكل انواعها المضروبة والأصلية من حبة قفزة الكنغر الى  حبة علكة الحصان ثم اخص باعة الأقراص الخليعة والخياطين لا استثني احدا حتى قفاصة الباب ودهاقنة قماره ونرده وزاره بما فيهم لصوصه الظرفاء.   
جمال ضائع 
   المنطقة  بعد عام 2003 تدخل في غيبوبة لتلد ملامح كل ما تراه وتقف عنده، ما بين الدهشة وحب الاستطلاع والرغبة في تقليب الأوجه والأظهر، وقد كان وما زال كل مفقود فيها موجودا من صغير أو كبير ومن ممنوع ومسموح، ولا بد ان يلتوي عنقك في الاتجاهات ولا بد ان تنظر وتنتبه اين تضع قدميك فممرات السير ضيقة والخوف على الجيوب درجة حرارته مرتفعة رغما عنك، لكنك تتأسف ان جمال المكان ضاع وان السمعة السيئة أبرز سماته وان عدم الاهتمام هو قدره وكان من الممكن ان يكون أرقى واجمل واحلى.