اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 الشبكة تفتح ملف بيوت الدعارة في بغداد
 مرضى يتسولون بلا رقيب .. ومريضات يتعرضن للاغتصاب
 في العام 2003 تنبأت تمارا الجلبي بانهيارمشروع ابيها في العراق
 من يسرق كتب الطلبة ويعيد بيعها في الاسواق
 التقشف.. أسعار النفط تطيح بالدراما العراقية

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ملف العدد
 
حول بيان الشاعر كاظم الحجاج: هل ثقافتنا العراقية بعثية وهي لا تدري؟!ـ
حول بيان الشاعر كاظم الحجاج: هل ثقافتنا العراقية بعثية وهي لا تدري؟!ـ
 

عامر بدر حسون

في العام 1980 اصدر صدام حسين قرارا يقضي بالحكم "باعدام كل من ينتمي الى حزب الدعوة أو يتستر عليه أو يتعاون معه". هذا القرار كان حجر الأساس لما نراه من طائفية مستشرية في العراق اليوم. فهو وضع الشيعة، دون تسميتهم، تحت المراقبة والشك. وكل شيعي اعتبر نفسه تحت المراقبة بسبب هذا القرار. وعلى من يريد الحديث عن الطائفية وانتشارها ان يبدأ من هذا القرار الرسمي، الذي كان نارا تحت الرماد، والذي وضع نصف المجتمع، تقريبا، تحت الشبهة والمراقبة.
 
 
النصف الآخر من المجتمع ربما لم ينتبه بما يكفي لهذا القرار، فالسني والمسيحي والكردي لم يكن معنيا به بشكل مباشر، وبقي التفتيش عن اعضاء حزب الدعوة وسط الشيعة فقط، ويتذكر العراقيون الاستمارات التي كانت توزع عليهم لمعرفة اتجاهاتهم واتجاهات اقاربهم السياسية. 
وعندما جاءت انتفاضة عام 1991 في الجنوب الشيعي، شعر السنة بأنهم مهددون ومستهدفون من الشيعة، وبدأ صدام وكأنه حاميهم الوحيد. وعلى هذا فانه لايوجد اسخف من "الكلام الحلو" الذي يردده السذج من اننا قبل سقوط النظام لم نكن نعرف هذا شيعي وذاك سني. 
على الجهة الأخرى تعرض السنة الى كارثة فكرية! ففي "الحملة الايمانية" التي قادها صدام حسين كان طلبة المدارس والجامعات يذهبون، بشكل الزامي تقريبا، الى الدورات الدينية في العطلة الدراسية. وكانت الدروس الدينية التي تلقاها السنة، خصوصا في المنطقة الغربية، هي الضربة القاصمة لجو الاعتدال العراقي والتعايش بين الشيعة والسنة، فقد قام الوهابيون والنقشبندية بتدريس الطلبة في الجوامع مبادئ الوهابية وليس المذهب الحنفي أو الشافعي أو غيرهما! الجيل الجديد صار وهابيا في أفكاره من دون ان يدري! 
وفي غمرة الحرب الطائفية لم يكن هناك من يُعنى بالبحث عن جذور المشكلة، فقد تحول الأكثر حماسة من الطرفين الى وقود لنار تسابقوا على اشعالها. لقد اصبحت اجيال من السنة ذات طابع وهابي من دون ان ترى في ذلك خطأ، تماما مثلما اصبحت اجيال من الشيعة ذات طابع صفوي من دون ان ترى في ذلك أي خطأ.
وعانى السنة بعد سقوط الصنم، من فقدان امتيازاتهم التي اعتادوا عليها، بل وحرمانهم من كثير من حقوقهم وفرصهم، وتم تجاهل ما تعرض له بعض السنة على يد صدام حسين وما قام به بعضهم للخلاص منه، كما عانوا من دمجهم، في الوعي الشيعي العام، بأفكار القاعدة من جهة وحزب البعث من جهة أخرى، وتمت تسميتهم بالحواضن الدائمية للارهاب: البعث والقاعدة وثم داعش. وتبادل الشيعة والسنة باخلاص النكتة الشهيرة: لا اكره شيئا قدر كراهيتي للطائفية والشيعة! فيرد الآخر: لا اكره شيئا قدر كراهيتي للطائفية والسنة!
وقبل هذه المحن، كان الأكراد يعانون الويلات من صدام ونظامه، ففضلا عن الحرب اليومية المتواصلة عليهم، كان هناك زلزال الأنفال وضرب حلبجة بالسلاح الكيمياوي، وكله مما يندرج تحت توصيف الابادة العرقية. ومن الطبيعي بعد ذلك الويل العسكري والسياسي على الاكراد ان يتطرفوا في مطاليبهم، لضمان الحصول على اكبر قدر من الحماية، وان تنشأ عندهم عنصرية لاسابق لها.
ما تقدم هو توصيف لواقع الحال في بلد منقسم طائفيا وعرقيا قبل داعش وقبل سقوط النظام، ومناسبة استذكار هذه الأمور هو البيان الذي اصدره الشاعر كاظم الحجاج، والذي اوحى فيه اننا قبل 2003 كنا لا نعرف الطائفية والعنصرية، وان الذين جاءوا مع الأجنبي هم الذين نشروا هذه الظواهر.
وتجاهل ان هناك صراعا دمويا وموثقا بالقوانين الرئاسية في تقسيم العراقيين الى مشبوهين وغير مشبوهين، ونسي البيان ان من الطبيعي ان يفرز هذا الواقع، بعد سقوط الصنم، وعيا مشوها وانحيازا في اختيار الممثلين السياسيين، فأوصل الجمهور الى البرلمان نوابا وسياسيين طائفيين وعنصريين، فقد اختار الجمهور الشيعي والسني والكردي من هو أكثر صلابة وتشددا في مواجهة "الأعداء"، الأمر الذي لم يمنح التيارات المعتدلة أو الديمقراطية فرصة في البرلمان وبالتالي الحكومة. 
والواقع ان السياسيين لدينا بعد 2003 كانوا شيعة وسنة وكردا متعصبين لجماعاتهم الناخبة. وارتفعت التصريحات والمواقف غير المعقولة التي عزفت على وتر الطائفية. وكلما ساء الوضع في البلد حصلنا على اسوأ التصريحات: السيدة حنان الفتلاوي نالت اصواتا كثيرة في الانتخابات الأخيرة بتصريح واحد لها، فُهم بانه طائفي أو انه كان كذلك بالفعل. ووجدنا عند السنة من يقول ان باراك اوباما شيعي! وتوج السيد مسعود البرزاني هذه التصريحات بعد احتلال داعش للموصل عندما قال ان الكرد اصبحت لهم حدود جديدة وان المادة 140 حلت أو اصبحت من الماضي!  لقد اصيب المجتمع العراقي، ممثلا بنخبه السياسية بنوع من الخبال الخطير. لكن بعض المثقفين لايرى هذا ولا يرى ان السياسيين الجدد هم افراز ونتيجة لوضع اجتماعي خطير يتطلب معالجة عميقة وهادئة لجوهر المشكلة من أجل اخراج الأمة من هذه الغمة.  لقد تجاهل بيان الشاعر كاظم الحجاج هذا الواقع واكتفى باصدار أوامره "للاقلية الشيعية والأقلية السنية والأقلية الكردية" بان يغادروا العراق ويتركوه لاهله، أو ان يتركوا بغداد ويعودوا الى قراهم ومدنهم. 
هذا كلام من نوع شتم الحكومة والبرلمان بالجملة، لا حساب عليه ولا كتاب، وهو لن يؤدي الى نتيجة لانه يشبه شتم الامبريالية والصهيونية، ويشبه شتم الشيطان الرجيم في الهواء الطلق، وهو لا يكلف صاحبه شيئا، بل يحوله الى "بطل"! فضلا عن انه يشبه الأفكار الشائعة والسطحية التي تقول ان امورنا كانت تمام وجاء الجماعة وخربوها والحل ان يعودوا من حيث جاءوا ونعود نحن الى ما كنا عليه! 
طبعا لا احد يعرف اي عراق يحن له بيان الحجاج مما قبل 2003؟ أهو عراق صدام حسين، وقد رأينا كيف انه أيقظ المشاعر الطائفية بقراراته وتربيته وجرائمه؟ أم هو عراق ما قبل صدام حسين؟ لغة البيان تقول انه يريد عراق صدام حسين ربما من دون ان يدري (من دون ان يدري حتما) فهو حاكمنا جميعا وطردنا بموجب قوانين صدام: من له جنسية ثانية فليخرج من العراق! ومن لم يؤد القسم أمام الجميع على وطنيته وحبه للعراق يجب ان يخرج! من له علاقة بأي اجنبي هو متهم بالتجسس حسب القوانين العراقية ويستحق الاعدام! وهكذا.
البيان لا توجد فيه كلمة أو فكرة خارج أفكار البعث ولغته وعنصريته وقوانينه، برغم انه مكتوب بقلم شاعر بمستوى كاظم الحجاج. لهذا تفسير واحد: أفكار البعث هي السائدة في الثقافة العراقية، وربما من دون ان يدري المثقف بذلك. ولهذا تبدو الثقافة العراقية مختلة، طائفية، عنصرية وعدوة للمختلف ولفكرة الحرية.
المشكلة ليست عند كاظم الحجاج أو من وقع على البيان.. انها في المفاهيم السائدة في ثقافتنا منذ نصف قرن، ولعل البيان يتيح الفرصة أمام المثقفين عموما ليتأكدوا من الأفكار التي يستندون اليها.