اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
طهمازي..دواوين قليلة ووجود كثير
طهمازي..دواوين قليلة ووجود كثير
 

عبد الزهرة زكي

 في الساعات الأخيرة، قبل ذهابي والصديق الشاعر عبدالرحمن طهمازي إلى فرنسا في تموز عام 2011، كنت قد قررت ألا أسافر. كان هناك ظرف عائلي قاهرٍ لم يكن يسمح بسفري، فما كان لي سوى أن أتصل هاتفياً بعبدالرحمن لأبلغه قراري وأسفي لخسراني فرصة السفر معاً لحضور فعاليات مهرجان سيت الشعري الدولي في جنوبي فرنسا
حاول طهمازي كثيراً ثنيي عن قراري وكنت أحاول الاعتذار وما كان لي أن أتراجع عن ذلك، إلا فقط بعدما ختم محاولاته بقراره هو أيضا عدم السفر من دوني. تراجعت من أجل أن يواصل عبدالرحمن طهمازي السفر إلى فرنسا، وكان عليّ استثمار الساعات القليلة المتبقية لترتيب كل شيء إكراما لصديق ولشاعر ومثقف كنت دائما أعدّه واحداً من المعلّمين الكبار الذين تعلّمت منهم الكثير. ليست كثيرة هي المرات التي التقيت خلالها مباشرة بعبدالرحمن طهمازي. كان لقاؤنا الأول في مساء نواسي ببغداد منتصف السبعينات، كان معنا في ذلك المساء الشاعران شاكر لعيبي وهاشم شفيق.. في تلك السنوات كانت القصائد التي تُنشَر في الصحافة تحظى عادةً باهتمام مثل هذه الجلسات واللقاءات.
 لم يكن الممر إلى النشر سهلاً. كان الشعراءُ المتاح لهم النشر هم أكثر من سواهم مراقبةً لأنفسهم ولما يكتبون في التعامل مع فرص النشر المحدودة، ولذلك كانت القصائد المنشورة تحظى بتلك القيمة التي تأخذ معها وقتاً طويلاً، تأشيراً ونقداً وتقويماً، من لقاءات الأدباء والكتّاب وسهراتهم. كان الشعر محور حديثنا في الأمسية النواسية السبعينية، وكان عبدالرحمن طهمازي مبهراً فيها كعادته حين يتحدث عن الشعر من منظور ثقافي هو أوسع من حدود القصيدة كواقعة في الفن وكتعبير من خلال الفن. 
في الثقافة العراقية بقي طهمازي يتمتع بصورة خاصة لا أحسب أنها ستتكرر كثيراً.. إنه شاعر في هذه الثقافة ولكنه مفكر في الشعر والثقافة. قد تبدو صفة (مفكر) كما تتداولها أدبيات الثقافة العربية صفة مضببة وهي قابلة للجدل، لكنها مع نموذج طهمازي تكتسب خصوصية معبّرة وهي دالة على نفسها بما جُبل عليه وجود طهمازي وبما يفصح عنه نتاجه المنشور منه وغير المنشور. 
يبدو عبدالرحمن طهمازي فيلسوفاً وباحثاً في الأفكار والمعاني حين يكون في الشعر، لكن عبدالرحمن حين يكون في الفلسفة وفي نظام الأفكار الممتد من الانشغال باللغة نفسها حتى تخوم التأريخ، تأريخية الأفكار وسيرتها وموضعتها وجدلها وتقاطعها مع بعضها فإنه لا يبتعد كثيرا عن طبيعته ورؤيته كشاعر. وهذه الطبيعة لا تعود سلبية في هكذا حضور وهكذا اشتغال ما دامت ليست مزاجاً مائعاً في تأسيه وفي تعاطفه أو معارضته قدر ما تكون نزوعا إنسانياً حياً وحيوياً، إنه نزوع تتطلبه الفلسفة والتفكير ويتحراه الفلاسفة.
في مرتين مبكرتين كتب عبدالرحمن طهمازي عن قصيدتين لي بمناسبتين مختلفتين. وفي كل مرة كنت أكتشف قيمة أخرى لقدرة الكتابة النقدية على أن تضيء فعلاً وعلى أن تجعل أفقها أكثر سعةً من مجرد التقويم. وفي مرتين سافرنا معا، قبل السفر إلى مهرجان سيت بمدينة بول فاليري بفرنسا كنا قد سافرنا إلى سويسرا للمشاركة في أعمال مهرجان المتنبي الدولي للشعر.. وفي المرتين كنت أكتشف عبدالرحمن طهمازي بما لم تتحه اللقاءات غير المخطط لها في بغداد بيننا وبما لم توفره بشكل كاف القراءة. 
الدواوين القليلة لعبدالرحمن تعبر بفصاحة بيّنة عن هذا. وهي دواوين تشبه صاحبها كثيراً. عبدالرحمن إيقونة لا تخطئها العين في ثقافتنا وبين مثقفينا، بينما شعره يتميز هو الآخر ولكن بوحشة تنأى به عن النتاج الشعري بطبيعته العراقية. 
هكذا تقدَّمَ ديوان (ذكرى الحاضر) إلى جمهور القراء في السبعينات. لقد كانت دواوين الشعر العراقي التي صدرت في سبعينات القرن الماضي قليلة إذا ما قورنت بما كان قد صدر منها في عقود تالية وليس بالقياس إلى العقود التي سبقت تلك السنوات. لكن السبعينات كانت استثنائيةً في انضاج الحداثة الشعرية العربية، وكانت دواوين السبعينات العراقية علامات مهمة للتعبير عن مستوى واتجاهات ذلك النضج، وكان من بين تلك الدواوين ديوانٌ بدا لافتاً بدءاً من عنوانه (ذكرى الحاضر)، وليس انتهاءً بفرادة اشتغاله الشعري الذي لم يكن مألوفاً كثيراً في الشعر العراقي، وبين الحالين: حال التسمية وحال الفرادة يُختَصر جانبٌ كبير من تجربة عبدالرحمن طهمازي في الحياة الثقافية وفي الشعر العراقيين خلال أكثر من نصف قرن. 
كان (ذكرى الحاضر) هو ديوان الشعر الأول الذي يصدر للشاعر طهمازي في بغداد، فيما كان حضور عبدالرحمن طهمازي في الثقافة العراقية متقدماً كثيراً على مناسبة الإصدار الأول. هذا الحضور المتقدم هو ما كان يجعل وجود عبدالرحمن طهمازي في مهرجان، مثل سيت الفرنسي وقبله المتنبي السويسري، حدثاً ومناسبة جديرة بالوقوف عندها. 
في (سيت)، كنا وحدنا نقيم بفندق بدا أفضل حالاً من فنادق ومنازل أخرى أقام بها ضيوفُ فاليري الآخرون، وكان من محاسن هذا السكن بعدُه النسبي عن مكان فعاليات المهرجان، حيث وفّر البعد متعةَ التمشي يومياً مع طهمازي في مدينة غريبة على كلينا، ما جعلنا نستغني عن السيارة التي خُصِّصت لنقلنا بين الفندق ومكان الفعاليات.
عبدالرحمن رجل في العمق من الحياة حتى حين يكون على سطوحها، وهكذا هو وجوده في اللغة والفكر أيضاً.. ولا أدري الآن ما إذا كان يجعل من الحياة وسيلة لاختبار اللغة والفكر ونشدان إصلاحهما أم هو يعمد إلى امتحان الحياة ومساءلتها عبر اللغة والفكر. الشعر، وربما الفن بشكل عام، كفيل بهذا الجدل الحيوي الذي يديره طهمازي بتوازن مدهش. ندرة في الدواوين بالشعر وغزارة بالحياة فيه، ربما هذا واحد من أكثر وجوه عبدالرحمن طهمازي تعبيريةً عن وجوده بيننا وحاجتنا إليه.