اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
العمارة.. مدينة تمشط شعرها الأنهار
العمارة.. مدينة تمشط شعرها الأنهار
 
نصير الشيخ

هي أنثى سومرية تمشط شعرها قرب الأنهار، وتداف أحلامها مع وهج الشمس الذي يغمر اريافها، وتدلل حسنها مع تمايل سنابل الحنطة بانتظار الحصاد.. "ميسان " المدينة الجنوبية الموغلة في القدم، إذ تشير المدونات التأريخية الى انها كانت دولة مستقلة في القرن الثاني قبل الميلاد (125) ق.م، تحدها من الشرق عيلام، ومن الغرب بابل، حكمها ملوك البحر. 
 
العمارة.. هي مركز المحافظة، تقع بين تفرعات دجلة الى المشرح والكحلاء، والتي انشأها (محمد باشا الديار بكري عام 1861م)، عندما أراد ان يختار لحملته العسكرية قصراً، فلم تقع عيناه على احسن من المكان الواقع بين دجلة والكحلاء حيث توافر الهواء النقي من الجوانب الأربعة للمدينة.. فنزل الجيش في هذه المنطقة التي أطلق عليها اسم" الأوردي" حسبما يؤكد الدكتور كريم الكعبي في كتابه (الحياة الشعبية في ميسان ــ دار الضياء/ 2010 ..)يشق مدينة العمارة نهر دجلة الرئيس، وبذا فهي تصبح (صوبين) تربط بينهما ثلاثة جسور ثابتة مع جسر صغيرعائم للمشاة.. هذا الأمتداد التأريخي طبع الحياة الميسانية بطابع اجتماعي خاص تبعا للظروف الاقتصادية والجغرافية التي سيرت ابناءها..
 
نسيج اجتماعي نادر
وشكلت ميسان باقضيتها ونواحيها وقصباتها نسيجاً اجتماعيا نادراً، عبر التعايش السلمي للطوائف، حيث عاش (الصابئة المندائيون) هنا قرب الأنهار واجتهدوا في صناعة المشاحيف بأنواعها ومنذ القدم في أمكنة مثل قلعة صالح والمشرح والكحلاء، وتتركز صناعة المصوغات الذهبية وبيعها كسوق قائم بذاته يتوسط مدينة العمارة، مع احتفاظها بخصوصياتها الدينية وممارسة طقوسها في مركزها الديني المسمى (المندى) السوق الكبير ابرز معالم المدينة، وخصيصته التراثية والفنية انه معقود بالطابوق المبني مع الجص، تحف به النوافذ العالية المطلة على المارة، والتي كانت بمثابة خانات (فنادق) للمسافرين والمتبضعين في أزمنة مضت، السوق على شكل جناحين، جناحه الأيمن خصص لبائعي القماش وخانات التبضع، وجناحه الأيسر محال لبيع وتصليح الساعات واجهزة الموبايل.. تستوقفك عند مدخلهِ (المكتبة العصرية) وهي تعد من اقدم المكتبات لبيع الكتب والصحف والقرطاسية، ونشرت عنها التحقيقات في اكثر الصحف والمجلات العراقية والتي يشير تأريخ تأسيسها الى عام (1929م).. لتصبح محط أنظار مثقفي المدينة يبتاعون منها الصحف واخر المطبوعات. 
 
ذاكرة وأسرار
يشكل (شارع المعارف) في مركز مدينة العمارة/تحول اسمه الى شارع التربية/ حاضنة تتوالد على مرّ العقود التي مرت، تنهض من أعطافها ذاكرة تبوح بخيط أسرارها وما قاله الرواة، وما مرّ به من أحداث.. شارع تتجدد صورهُ محتفظا بمخططه الجغرافي (عيادات أطباء، كماليات، متاجر،  الخ) مكتسبا هويته (شارع المعارف) من كثرة المكتبات التي توالدت على جانبيه (كتب/قرطاسية).. كل هذا يشكل بمجمله مركزا حضريا فيه انعكست حياة المدينة.. مظهرها خلاق التنوع في الأزياء التي يرتديها المارة... عابرة أقصى موديلاتها في ارتداء بناته اللاتي يتسوقن أحدث مايستجد من عالم الموضة، محققا غرضهُ الجمالي عبر هذا الحضور اللافت، شارع التربية، هو الشريان الأبهر للحياة هنا، فهو يضم عيادات الأطباء والصيدليات ومحال الألبسة الفاخرة للرجال والنساء، وتتصدر المحال الزجاجية والعمارات ذات الطوابق واجهة الشارع التي تخفي خلفها أبنية هُدمت ودرست اثارها، ابنية كانت تشكل طرزا في البناء كالشناشيل والمدرسة اليهودية والحمامات، لتستعمرها الأبنية الحديثة بواجهاتها المعدنية (الألكبوند)...!! لتنعطف بنا الخطى نحو أثر فني وديني وإنساني الا وهو (كنيسة أم الأحزان) التي يشير زمن بنائها الى عام (1881م)،وخلفها بناء متهالك هو كنيسة (السريان) وانقاض مهدمة كانت تشير الى ان هذا هو (المعبد اليهودي).!!. وكنيسة أم الأحزان حظيت بترميم اعاد لها هيبتها، وكانت طيلة العقود التي مضت محجاً للعوائل المسيحية القاطنة في العمارة التي تزيد النسيج الاجتماعي بهاء وزينةً وحياة وهي تمارس طقوسها وتحيي مراسيمها واعيادها داخل قاعة الكنيسة.. التي تحمل ارواحنا لها الكثير من الذكريات ونحن نعيش كعائلة بالقرب منها.. 
 
شمع وحناء
وليس بمستغرب ان تجد وترى نساء وفتيات مسلمات يقدمن شمعاً وحناء لهذا المحفل الديني ليطلبن من السيدة العذراء الإيفاء بنذورهن، كانت أمي تحمل شموعا بيض تضاء عند أقدام العذراء المنتصبة في (بيت لحم) حجري وسط الكنيسة.. كانت تقدم النذور لفتى منذور دمه لنصال الحروب، للحدائق حضورها اللافت والمتجذر وهي تحاذي شواطئ نهر دجلة، ما جعلها مركزا ترفيهيا (كازينوهات) تستطيب فيها الأنفس وهي تريق تعبها وساعات فراغها بلعب الدومينو واحتساء الشاي والعصائر وتبادل الأحاديث واجترار الذكريات على زمن آمن مضى كانت تسهر فيه حد الفجر.. ولان الأمكنة بعضها يتجدد وبعضها الآخر يندثر، تتكشف واجهات جديدة، تقف الحداثة عند بواباتها ويغذُ الربح التجاري فعله في مفاصلها.. كان شارع دجلة في ستينات وسبعينات القرن الماضي يطل على المارة ببنائيين يتقابلان، الأول يتوسط الحدائق هو بناية (البريد والبرق)، وبمعمار فني لايخلو من هندسة تشغل المكان، واللافت فيه هو (الساعة الجدارية) التي تعلو المبنى، والتي سكتت عن عد دقائقها وانصهر زمنها وعقاربها في ظروف غامضة. كأنها تستصرخ كلمات ماجد الحسن: ( الساعةُ تجهلُ من أي جهة سيجئ الخريف هل ان المطرَ يتراءى في غفوتنا نركضُ بلا وقتٍ. .الى أي جهةٍ تشير تلك العقارب) ؟ يقابلها بناء هُّد منتصف التسعينات هو قصر (محمد العريبي) الذي يعد علامة مائزة في طريقة بنائه، لاحتوائه على عشرات الغرف وبثلاثة طوابق مع حديقة تحيط بباحة القصر الذي شغلت فيه المنظمات الثقافية الكثير من نشاطاتها الثقافية والفكرية ليستقر قبل الهدم فرعا لنقابة المعلمين.
 
حركة عمرانية كبيرة
 بعد التغيير شهدت المدينة حركة عمرانية كبيرة، ما سمح باتساع مراكزها التجارية واحيائها السكنية، حيث الأسواق متعددة الطوابق على وفق الطرز الحديثة، وطرق المرور السريعة التي تشكل المجسرات عمودها الفقري، لتشهد حركة اسواقها انتعاشا كبيرا، ساهم فيه وضعها الأمني على شعور المواطن بحرية الحركة واختيار مكان استجمامه مع افراد عائلته، ليزدان ليلها بهجة عند الشارع الممتد في صوبها الثاني (حي القاهرة) المحاذي تماما لنهر دجلة والذي يشكل كورنيشا جميلاً تطامن مع مرتاديه من العوائل صيفا وشتاء.. ويشمخ بناء عال من احد عشر طابقا هو فندق سياحي خمس نجوم قيد الاكتمال تنشئه شركة تركية.. الى جانبه قصر المؤتمرات بقاعة ومسرح تتسع لأكثر من خمسمائة شخص.. وهناك المركز الثقافي المعني بإقامة الأنشطة الشبابية والندوات الثقافية، لكنها تفتقر الى مفصل مهم ألا وهو مقر ثابت لأتحاد أدباء وكتاب ميسان رغم المناشدات المتكررة من قبل مثقفي المحافظة وإقامة مهرجان الكميت بدوراته الماضية وإعلان مشروع ميسان عاصمة للثقافة العراقية. عند اكتمال مسيرك باتجاه السوق تصعد جسرا حديدياً هو (السدة) أي الناظم الذي يتحكم بتوزيع مياه النهر صوب تفرعاتها، لتنعطف الى يمينه تماما حديقة واسعة ذات أروقة مثيلة تتوسطها نافورة كبيرة، مع تماثيل كبيرة لأسدين على قواعد رخامية، هذه الحديقة تحتشد بالنخب المثقفة عصر كل جمعة، حيث الأنشطة المتعددة للفنانين من تشكيليين ومصورين وعرضا للكتاب، مع حضور لافت لمسرح الشارع الذي تقوم بتأدية مشاهده التمثيلية مجموعة شبابية وضعت حب الفن نصب عينيها، ناقدة بعض الظواهر السلبية في اداء المؤسسات الحكومية.