اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
ليلة الهلال!!ـ
ليلة الهلال!!ـ
 
حسن العاني

في عمر الخامسة، أو قريباً من ذلك، والزمن يعود الى أواخر العقد الأربعيني من القرن الماضي، ومازالت الطفولة تتفتح على أمرين، لا يبرحان الذاكرة، أولهما تلك الدشاديش المقلمة التي يرتديها فقراء الكرخ البغدادية من دون استثناء، وثانيهما مشهد الهلال ومراقبته والعثور عليه، وكانت لنا في تلك السنوات ثلاثة أهلة تطلع كل عام في (رمضان والفطر والأضحى)، ولابد ان طفولتنا كانت أكثر شغفاً بهلالي (الفطر والاضحى) لأنهما يرتبطان بملابس جديدة وعيديات ودواليب هواء، في حين كان الهلال الرمضاني، هو الأحب الى نفوس الكبار، لأن فيه درجة أعلى من الايمان والطاعة والتقرب الى الله!!
ما كان أصحاب الدشاديش المقلمة يعرفون متى يجب الصعود الى سطوح المنازل لمراقبة الشهر الكريم واطلالته، لكنهم يرافقون أولياء أمورهم وأفراد أسرتهم للبحث عن الهلال في وقت قريب من غروب الشمس، وكانت المنازل يومها على ارتفاع واحد، وجميعها من طبقة واحدة، وليس في طول الكرخ وعرضها عمائر شامخة أو دخان مصانع أو أبنية تحجب العين، ولكن الجانب الآخر من المشهد يقدم نفسه على انه فضاء واسع مفتوح بلا حدود، وهلال رمضان خيط فضي لا يزيد حجمه على قطرة في بحر، ورؤيته أصعب من أية صعوبة أخرى، لأن الناس لا تدري أين تجيل الطرف وفي أي اتجاه تنظر، والخيط الناعم الرقيق المدلل لا يطيل المكوث الا بضع دقائق ثم يختفي فجأة مثل عروس يراودها الحياء، أو كأنه يلعب لعبة التخفي مع عشاقه، وقليلون أولئك الذين يحالفهم الحظ ويرصدون مكانه أو يستدلون عليه، إما لأنهم اعتادوا على موقع ظهوره، أو لان الله منحهم من حدة البصر ما يحسدون عليه حسداً مشروعاً!!
تحدثني ذاكرة الطفولة إن أول شخص يرى الهلال يصرخ بأعلى صوته صرخة فرح كما لو أنه فاز بجائزة العمر، ويستعين بالشرح لساناً ويداً وأناملَ كي يدل الآخرين على مكانه، ثم لا يمضي زمن أيسر من يسير حتى يعلن شخص آخر، وأشخاص آخرون عن استدلالهم على موقعه، وكنا نحن، أعني الدشاديش المقلمة، نشارك الكبار من غير أن نعرف سبباً لمشاركتهم الفرح، لأن (هلالهم) ليس فيه أراجيح ولا عيديات، ومالم يهرب من شيخوختي على بعد المسافة، إن الناس، أعني كبارها، كانت تتمتم بعبارات نسمع بعضها، ويضيع علينا بعضها الآخر، وكانت دموع غزيرة ترافق تلك التمتمة، طالما أثارت في رأسي مزيجاً من الرهبة والتساؤل والحيرة، فأنا لا أدري أي نوع من الدموع هي، فرح، حزن، عبث، أم لعبة من لعب الكبار لا يحق لدشاديشنا التعرف عليها في ذلك الوقت المبكر من العمر، وينتهي المشهد بتبادل قُبَلٍ وأدعية وعبارات حلوة لا نسمع مثلها الا ليلة الهلال!!
نعم إبن خمس سنوات وغيري أقل بقليل أو أكثر بقليل، لكننا جميعاً لا نقل شأنا عن أولياء أمورنا، لنا صوم لا يختلف عن صومهم وطقوس لا تختلف عن طقوسهم، بعد أن إبتدع لنا الكبار (صوماً) رمضانياً إسمه (صوم الغزلان)، وآيته أن نتناول الافطار الصباحي، ثم نمتنع عن تناول الطعام، أي طعام، إلى الظهر، حيث نتناول وجبة الغداء، ونمتنع عن تناول الطعام ثانية حتى يحين مدفع الافطار فنجلس على صدر المائدة مع الصائمين، ونأكل بشهية مفتوحة، وبشجاعة نادرة، نرفع أصواتنا بالدعاء من غير حياء ولا حرج.. ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر و... وننوي الصيام ليوم غد، وأشهد إن صوم الغزلان هو أحلى ما مرّ بي، وان شهور رمضان الكريمة تلك كانت أسعد شهور الصيام في حياتي، فأنا لم أشعر فيها بجوع أو عطش والحمد لله!!