اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
أمي ومحمود درويش
أمي ومحمود درويش
 
عواد ناصر

مثل أغلب الأمهات المعتقات، في العمر والعذاب، لم تكن أمي قارئة ولا كاتبة، أعني في حدود الأبجدية لا الثقافة، لكنها ذات حس جمالي شعبي جعلها في صدارة تلك المواكب الصغيرة في الطريق إلى مأتم قريب أو صديق أو جار. 
أمي تحفظ بعض الدارميات والنواعي ترددها في مناسبات الموت والرحيل، وما أكثرها، وأنا أبنها – آخر العنقود - حفظت منها بعض فولكلورها المثقل بالغياب والدمع والأقمار الشاحبة في سموات قرانا القصية.
كل الأمهات المعتقات في العمر والعذاب يحفظن الدارميات ويمشين في صدارة المواكب الصغيرة نحو موت الأحباب أو في وداع الراحلين سفراً وهروباً وضياعاً.
لكن جديد أمي هو إعجابها بمحمود درويش الشاعر النجم، بل حساسيتها الفريدة لتميز بصمته الخاصة في الشعر، ولم أكن أعرف عنها هذه الحساسية الفطرية إلا عندما تلوت عليها قصيدتي الأولى، طالباً في معهد إعداد المعلمين، استعداداً للمشاركة في مهرجان شعري سيقام في الجامعة المستنصرية، ببغداد طبعاً.
ما أن انتهيت من قراءة قصيدتي على مسامعها فاجأتني عندما قالت: "حلوة "كلش"، لكنني سمعت صوت صاحبك الفلسطيني، درويش "كلش"! لا صوتك.
صدمتني المفاجأة، وصرت بين المحرج والمندهش والمستغرب... من أين لك، يا أمي، أن تسمعي صوت صاحبي الفلسطيني لا صوتي؟
ردت تذكّرني بليلة قديمة من ليالي تلفزيون بغداد:
-حكى صاحبك الفلسطيني في ندوة بالتلفزيون وقرأ قصائده، وكنت، أنت من "أجبرنا" على المشاهدة والاستماع.. ومن يومها علقت برأسي كلماته و... أحببته. كان فتى وسيماً وحزيناً وبلا وطن.
-هذا صحيح، يا أمي، و"صوت" صاحبي الفلسطيني اخترق صوتي، بل طغى عليه في تلك القصيدة الأولى التي كتبتها عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري،  طالباً في معهد إعداد المعلمين، طامحاً للفوز بالجائزة، أي جائزة كانت.
.. وقرأت في المهرجان الطلابي ذاك بين اثني عشر طالباً من زملائي. وفزت بالجائزة الأولى، وهي الجائزة الوحيدة في حياتي حتى اليوم: قلم باركر أسود 51!
الغريب هو أن أساتذتي، وبينهم أسماء معروفة في الأدب والفن، بينهم الدكتور الناقد الراحل عبداللطيف الراوي والفنان التشكيلي ماهود أحمد وغيرهم (الكاتبة حياة شرارة كانت ضيفة في الأمسية) أجمعوا على فوزي في المركز الأول لكن أيا منهم  لم يكتشف "صوت" صاحبي الفلسطيني محمود كما اكتشفته أنت يا أمي، عالياً، في قصيدتي الأولى.
الله يرحمكما معاً، أنت يا أمي و"صاحبي" الفلسطيني الفتى الوسيم الذي رحل بلا وطن.