اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مازلنا بألف خير..صدقوني
 ما أروع قولكَ يا إمام المتّقين
 تراجيديا "سبايكر".. النحيب وحده لا يكفي!ـ
 نضرب او لا نضرب.. تلك هي القضية!ـ
 تجميل الجميل وإهمال المهمل

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحت سماء لندن
 
هل نحن حقاً من كوكبٍ آخر؟ـ
هل نحن حقاً من كوكبٍ آخر؟ـ
 

سميرة التميمي
Aldiwan22@hotmail.com
 
 
عندما كنت طالبة في بغداد أيام زمان, كان اليوم الذي لا يأتي فيه والدي إلى الجامعة لأخذي إلى البيت بمثابة كابوسٍ حقيقي, إذ كان عليّ أن أقف في منطقة (الفورتات) بانتظار رحمة الله وسط زحمة الناس وصخبهم, وما أن تأتي سيارة (فورت) حتى يهجم عليها الناس وتحصل معركة ينتصر فيها القوي ويفوز الذي يجيد التدافع,  وطبعاً يخسر الضعيف ومن يراعي مشاعرمن حوله , وأقف أنا جانباً أشاهد هذه المسرحية وتأبى (كرامتي) أن اكون جزءاً منها خاصة اني كنت  في عمر الشباب المبكر و(شايفة نفسي)..وتكون النتيجة أن أبقى واقفة لساعاتٍ وساعات إلى أن يحّن عليّ أحدهم  فيحجز لي مكاناً ويطلب مني الصعود.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أدرك أهمية ( الطابور ) وأسأل نفسي: لماذا لا ينتظم الناس في طابورٍ ينصف الجميع ولا يكون فيه ثمة مغلوبٍ وغالب, ومظلومٍ وظالم, وضعيفٍ وقوي, خاصة ان الأمر يتكرر دائما في كل مكانٍ فيه مراجعات ابتداء من دوائر الدولة وصولاً إلى عيادات الأطباء التي قد تتحول أحياناً إلى معارك ومشادات وخصومات وأحقاد, حين يزعم أحدهم بأنه قد غبن وان من جاء بعده دخل قبله, وربما يضيف له هذا الشعور مرضاً آخر لم يأت إلى الطبيب من أجله.
وعندما سافرت إلى عمان, وجدت ان الناس هنالك يقفون في طوابير بانتظار سيارات الأجرة الشعبية   (السرفيس) وكبر في ذهني التساؤل: لماذا لا يفعل العراقيون ذلك؟ وعندما عشت في لندن عرفت ان الطابور هو أساس الحياة وهو التطبيق اليومي والعملي للقانون الذي يحكم الجميع  هنا والذي لا يعترف بالمحسوبية  والمنسوبية ولا الواسطات ولا العنصرية,  فليس ثمة مواطنٍ أو وافد ولا كبيرٍ أو صغير ولاغنيٍ أو فقير, فالطابور نظام لا يتخطاه أحد مهما كان جنسه أو عرقه أو مركزه..حتى لو أراد رئيس الوزراء البريطاني  "ديفيد كاميرون" أن يشتري خبزاً فان عليه أن يقف في الطابور كي يدفع الحساب  وإلا ..قد يضطر للإستقالة في اليوم التالي.
وقد لا اكون مبالغة إذا قلت ان الشعوب التي لا تعرف الطابور، لا تعرف معنىً للحضارة وليس لديها رؤية مستقبلية من أجل الرقي والتقدم, بل لا تعرف أصلاً أبجديات الحياة العصرية, وهنا في لندن لا يكتفون بالطابور بل يضعون في الدوائر جهازاً صغيراً تضغط عليه فيكون بين يديك رقم هو موقعك في قائمة الإنتظار وما عليك إلا تجلس بهدوءٍ واسترخاء بإنتظار من ينادي على رقمك.. وقد تحول الطابور هنا إلى ثقافة عامة , فما ان تدخل مكاناً حتى تجد نفسك في الطابور تلقائياً دون أن يطلب منك أحد ذلك.. وبلا ردع أو تخويف أو تهديد, لأنهم يبدأون بهذه الثقافة من مرحلة الحضانة ويعلمون الصغار كيف يقفون في طوابير لتناول الطعام وفي الحصول على اللعب وفي اعادتها إلى مكانها ..ومن شّب على شيء شاب عليه.
واذكر اني ذهبت الى بغداد قبل سنوات وراجعت دائرة الجوازات, ووقفت مذهولة أمام سيل الناس الجارف الذي يتدافع على الشبابيك الصغيرة .. بعضهم يتوسل والآخر يلعن والآخر يحلف بأغلظ الأيمان بانه جاء قبل الآخرين ,ومنهم من يحاول أن يرشي وآخر يجلس يائسا ومستسلماً , وبين الحين والآخر كنت أسمع صوت الموظف وهو يصرخ منادياً بإسم أحدهم فيصرخ الناس بعده بحثاً عن الشخص المطلوب, فيتحول المكان إلى حمامٍ تركي ساخن يضج بالبشر المحشورين داخله وسط عويل الأطفال وشكاوى المسنين والمعاقين, وعندما جاءت الفرصة للحديث مع الموظف قلت له : لماذا لا تستخدمون ماكنة تعطي للناس أرقاماً فيعرف كل انسان دوره؟ ولماذا لا تستعملون النشرة الضوئية التي يظهر عليها إسم المراجع المطلوب بدلاً من هذا الصراخ؟ فنطر إلي الموظف مبتسما وقال بتهكم وهو يحاول أن يشرك زملاءه في هذه المزحة: يبدو ان الست من كوكبٍ آخر؟؟..فقلت له بيأس :  نعم يبدو إني قادمة من كوكب آخر !