اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
ابتكار الجمال..استفزاز الحطام
ابتكار الجمال..استفزاز الحطام
 
حسام السراي

مؤكّد إنّ الفوتوغراف يحتمل الكثير من التجريب والاشتغال في مساحات لا تنتهي، إذ ثمّة صور تُغني عن مقالات وبيانات شجب واستنكار، وهذا يتوفر فقط مع الفنّان الذي يترجم زاوية النظر إلى ابتكار فعليّ لم يبلغه غيره.
بعض الاستذكارات والعودة إلى الماضي، لا تتمّ إلا بما تمنحه الصور من ملامح وسيّر، لدرجة إنّ لقطات من زمن مضى تحمل معها روحاً مُفتقدة أو بيئة تعاني الزوال. نقول ذلك كلّه ونحن نتابع ما ينتشر في مواقع التواصل الاجتماعيّ من تأسٍ على أيّام ومظاهر صارت نادرة أو غائبة بالمطلق عن مشهدنا الحالي.
صورة من بغداد الستينات لمداراة حنين من يتداولها، وأخرى تعرض سافرات يتجوّلن في جنوبي العراق، ليبرهن صاحبها بتعليق مكثف وقطعي: "ما من ماضٍ جميل سيعود". الدافع في هذا اللجوء الاضطراري؛ لأنّ دواخل الإنسان التي أرهقها ثقل الواقع تذهب- لا إراديّاً- إلى  خزائن الذكريات، لتنتصر عبر أرشيف الفوتوغراف لذاتها، وفي هذا ما يعبّر عن حالة من العجز "الشخصيّ" لمواجهة الأحداث الراهنة أو حتّى التفكير في تغيير شيء منها، هي مجرّد لحظة يشعر معها من نعنيه بنشوة الانتماء إلى صورة لا وجود لها  الآن.
أمامنا، ومن الماضي طبعاً، نظافة منطقة الباب الشرقي وهدوء الشارع تحت نصب الحريّة، بوصفهما أمثولة عن طبيعة الحياة العراقيّة قبل عقود، ومشاهد من حفلات تخرّج طلبة عراقيّين قبل "الجبهة الوطنية" التي بدأ معها مسلسل الانحدارات في العراق. جميعها تستعاد ولها مبررات الحضور ثانية بين الناس.
ظلّت الصور كلّها، برغم جمال مضمونها، تبعث على الخيبة والسؤال المرير عن الحاضر وأدوار الأفراد فيه، من الطبيب، إلى عامل البناء، إلى المعلمة في المدرسة، وإلى جموع الكتّاب ومنتجي الإبداع.
مرّة، كان سائق سيّارة أجرة، شاب، يتحدّث بغضب عن مظهر العاصمة بغداد، وأخذ يقارنها بعواصم ومدن في المنطقة، وهو يستمرّ بحديثه رمى بعلبة "كولا" كانت بيده في عرض الشارع، بادرته بالكلام قائلاً: "لِمَ ذلك وأنت المحتجّ على وضع المدينة ونظافتها؟"، رد عليّ:" لتكن المدينة ومن يديرها بمستوى ما أحلم به لأحترم القانون فيها"، فتوقّف الحوار عند زحام اصطنعته نقطة تفتيش على الطريق العام.
لذا لا بدّ من سياقات تضبط السلوك الاجتماعيّ، فالانتماء للمكان ليس بالشعارات فقط، بل بادراك معنى أن تكون بغداديّاً أو بصراويّاً أو أنباريّاً، وإلا فالواحد منّا يسكن فندقاً وليس بوطن، لا يهمّه فيه إن كان الشارع نظيفاً ومرتباً.
المدينة ومظهرها العام وحياتها، صورة عمّن يعيش فيها، إذ نحن من يصنع رقيها أو يهدّمها فيجعلها حطاماً يستجدي ذكريات الزمن الجميل الذي لن يعود.