اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في المتن
 
عنف العشوائيات
عنف العشوائيات
 
صلاح حسن
amerbhassoun@gmail.com

ثمة مسائل وأدوات كثيرة غير عنفية لكنها كثيراً ما تكون سبباً مباشراً في تأجيج العنف وإدامة زخمه. لا نقصد هنا بالعنف العمليات الإرهابية والجرائم الكبرى التي ترتكبها جماعات وأحزاب وميليشيات، لكن تلك الانفعالات غير المبررة ومجهولة الدافع التي ترتكب من قبل أفراد صغار وكبار. من هذه المسائل العنفية وأدواتها «العشوائيات»، وهي كثيرة ومتنوعة بدءاً من بناء المدن وانتهاء بتنظيم الحدائق الصغيرة.
فالمرجح أن بيتاً مساحته مئتا متر يكون كافياً لعائلة مكونة من أربعة أفراد، لكن عندما يضطر الناس الى تحويل هذه المساحة سكناً لستة عشر فرداً وبطريقة غير مدروسة، يتحول الأمر جحيماً لجميع هؤلاء الذين يسكنون تلك المساحة الضيقة. والمشكلة لا تكمن في المساحة وحدها ولكن في التصميم والتقطيع وشكل البناء أيضاً.
هذه مشكلة تخص بيتاً واحداً فما بال مدن كاملة مساحتها تتجاوز عشرات الكيلومترات المربعة ويسكنها مئات آلاف البشر؟ توجد في بغداد العشرات من هذه المدن المبنية بطريقة عشوائية قبيحة ومؤلمة وغير حضارية مما ينعكس سلوك ساكنيها المتوتر في الداخل على الخارج بشكل يومي مولداً الكثير من الجرائم.
يشعر سكان هذه المدن بالتهميش والحرمان وبالتالي اليأس الذي يدفـــع هؤلاء الناس الى العنف بمشاعر غامضة ومثارة تتأجج في اية لحظة وتثمر يومياً نزاعاً مسلحاً يودي بشخص أو أكثر. أما إذا أضيف الى هذا العنف الفردي ذلك العنف الجماعي كالتفجيرات، فستكون الدوافع العنفية لساكني العشوائيات أكثر إثارة لاعتقادهم أنهم مستهدفون من الجميع، المجتمع برمته وكذلك الإرهابيين.
الأفق المغلق وصغر حجم النوافذ وضيق حجم غرف النوم والحمّامات تشعر ساكن هذا المكان بأنه يعيش في زنزانة. يضاف الى ذلك أن عدداً كبيراً من الأفراد لا يستطيعون، والحال هذه، قضاء حاجاتهم اليومية بشكل طبيعي. فالذهاب إلى الحمّام يجعل هؤلاء أحياناً يقفون في الانتظار كي يصل اليهم الدور.
وغالباً ما تفتقر البيوت العشوائية الى الخدمات من ماء وكهرباء ومجارٍ، ما يضطر ساكنيها الى جلب الماء من أماكن أخرى وتخزينه في مكان ما من البيت، ولابد ان ذلك يتطلب مساحة مقتطعة من مساحة البيت الضيقة أساساً. والحصول على الكهرباء يتطلب البحث عن مصدر قريب، أما المجاري فالطامة الكبرى لهؤلاء الذين لا يترددون في حفر الشوارع وتدميرها من أجل التخلص من الفضلات.
يغيب الحس والقيم الأخلاقية والجمالية عن هذه التجمعات المحشورة في هذه الأماكن القبيحة ولا ينمو غير التذمر والبؤس والكراهية والجريمة أيضاً. الأجيال الشابة التي تترعرع هناك مصدر العنف الذي غالباً ما يوجَّه إلى الجميع، خصوصاً الأطفال والنساء. وأكثر ما تتعرض له النساء من جرائم في تلك الأماكن هو الاغتصاب، ومن ثم جرائم القتل وغسل العار، خصوصاً ان الدولة غائبة وحلت محلها العشيرة.
والعشيرة لم تعد اليوم بعيدة في القرى والأرياف والمناطق النائية، بل هي في أرقى الأماكن وفي قلب العاصمة، تسيطر على الشارع وتفرض قيمها على السكان المدنيين.