اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة
 الحبوبي التمثال الذي افتتح المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 
علي بداي

تشكلت قيمة الانسان الأوروبي التي نعرفها الآن، بعد قرون طويلة من التخلف وطغيان المفاهيم الأستبدادية، وبعد صراعات دموية بين القيم الحديثة والتقليدية دفع ثمنها عشرات المفكرين وآلاف البسطاء من قبلهم.
ثم أتت الثورة الصناعية ليكتمل بعدها مشروع تطور الأنسان المادي بعد أن ثار روحياً على الاستبداد الديني الكنسي القروسطي من قبل. الأنسان الفرد في المجتمعات الأوروبية وجود ذو قيمة، ولكن قيمته هذه لم تأت تلبية لمواعظ أخلاقية أو نوازع كنسية، بل انها لم تتبلور الا بعد أن تمت عملية فصل الكنيسة عن الدولة. وبعد أن سار المجتمع قدماً، أضحى وجود الفرد المتطور أمراً لا غنى عنه لاستمرار حياة المجتمع وتطورها. فالانسان قيّم إذن قبل كل شيءلأنه ينتج ثروة..
 
من الطائفة والمجموعة الى الفرد
يدلنا التأريخ على ان أشكال الحياة القبلية ومظاهرها الطائفية والدينية تلاشت من العالم المتحضر بعد قرون من التعصب الديني والطائفي. حدث ذلك بعد الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ونمو المدن على حساب الأرياف وإختلاط الناس وقيام مصالحهم على أسس جديدة ضمن مجتمعات حديثة يسيرها قانون إجتماعي موحد. وبعد الحربين العالميتين اللتين أكلتا ملايين الأوروبيين إكتسب الفرد أهمية خاصة، فمن ناحية كان التطور العلمي والتكنولوجي قد أثر تأثيراً بالغاً في زيادة إنتاجيته، ومن ناحية أخرى كان هذا التطور بحاجة الى من يقوده بعد تلاشي قسم مهم من القوة البشرية جراء الحربين. فأوروبا تعاني الآن ولعقود قادمة من عدم كفاية السكان المنتجين بما يتناسب مع مستويات تطور الاقتصاد ما جعل من " قوة عمل" أي فرد رصيدا مهما ينبغي العناية به. لهذا فأن المجتمع ينظر لأي فرد بالغ كأحتياط مهم يتوجب عدم التفريط به.
 
 
الأسرة الرشيقة
كان من نتائج التطور والنمو الاقتصاديين أن تعرضت الأسرة الأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين للتغيير فتحولت الى شكل رشيق مكون من أفراد قلائل، وضعفت العلاقات بين الأقرباء بفعل الأستقلالية الأقتصادية وقلة وقت الفراغ  حتى أنها أمست الآن مقصورة على ليس أبعد من الدرجة الأولى والثانية. وساهم هذا التطور باتجاه الفردانية الى درجة معينة بإنحسار ظاهرة الفقر وقلة المورد العائلي التي كانت سائدة في القرون السابقة نتيجة لكثرة الأطفال. كما تواصلت عبر السنين عملية الغاء التمييز ضد المرأة في الحياة العامة وداخل العائلة فتوسع نموذج العائلة الصغيرة العاملة. النتيجة أن دخل الفرد العامل وبعد ان كان يتوزع على ستة أفراد أو أكثر قد تضاعف ليتوزع على عدد أقل، ثلاثة أو أربعة أو ربما إثنان..
 
قوانين الضمان الأجتماعي
ومع تطورات كهذه، بدأت قوانين الضمان الأجتماعي بشكل بدائي عبر إعانات أولية  كانت الدولة تمنحها للعاطلين عن العمل لم تكن تغطي في بدايتها سوى أحتياجات الحد الأدنى. في المانيا مثلاً يعود مبدأ الضمان الأجتماعي إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما وضع مستشار الرايش الألماني أوتو فون بيسمارك مبادئ الضمان الاجتماعي الحكومي العام. ثم تبلور شكل جديد من اشكال توزيع الثروة مع تطور الاقتصاد يتلخص بأن يتمتع القسم النشيط العامل من السكان بمكاسب التطور الاقتصادي مع تخصيص جزء أقل من الثروة لتغطية إحتياجات القسم المتبقي. هذا المتبقي هو من العاطلين الدائميين عن العمل ( ذوي الاحتياجات الخاصة والآباء أو الأمهات المعيلين لاطفال).. والعاطلين المؤقتين عن العمل الذين يفقدون أماكن عملهم بسبب الأزمات الأقتصادية أو اتمتة الانتاج. وتشمل قوانين الضمان تمتع ذوي الدخل الواطئ بأولوية الحصول على مساكن مؤجرة من قبل الدولة أو التعاونيات الاسكانية، وكذلك تمتعهم بالضمان الصحي. وتم في المانيا في العقود التالية التوسع في بناء هذه الشبكة الاجتماعية وتطويرها، ففي عام 1927 شرّع قانون التأمين ضد التبعات المالية للبطالة، وفي عام 1995 قانون التأمين ضد حالات العجز، بينما إنتفع في القرن التاسع عشر10% من أبناء الشعب الألماني من قوانين الضمان الاجتماعي، يتمتع اليوم حوالي 90% من الألمان بحماية هذه القوانين. 
وضع الأطفال الأقتصادي ودخل الفرد اثناء الدراسة
وإنطلاقاً من مبدأ الاستقلالية الاقتصادية، وبسبب من التقدم الاقتصادي وارتفاع إنتاجية العمل وكشكل من أشكال الدعم الأجتماعي، ترصد الدولة في معظم دول أوروبا الغربية مبلغاً مالياً يحّول لحساب الأم لكل طفل حتى سن الثامنة عشرة. وبعد أن يتجاوز الأطفال مرحلة الطفولة يتجهون لترك منازل آبائهم في فعل يُعد من ناحية حقاً ومن أخرى واجباً في آن واحد. فهو حق مدعوم باعتراف الدولة ببلوغ الصبي أو الصبية سن الأستقلال والنضج الذي ترد عليه الدولة بأن تزيد من منحتها المالية للشاب وتساعده على بناء إستقلاليته، ثم تضيف الأسرة الى هذا المبلغ ما ادخرته للطفل منذ ولادته لتقدمه له بشكل منحة مع ميلاده الثامن عشر مثلاً. وهو من ناحية أخرى واجب لأن فترة الرعاية الأسرية المكثفة طيلة عقدين يتوجب أن يرد عليها الأبناء بالاستقلال والاعتماد على أنفسهم. ويمكن للطلاب بعد المرحلة الثانوية تسلم منح أو قروض غالباً ما تكون مشروطة باكمال الدراسة أو اعادتها على شكل أقساط ميسرة بعد الحصول على عمل والدخول في مرحلة الانتاج. قيمة أوروبا تتجسد بانسانها المنتج، حيث يحسب لكل فرد حساب.