اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
أبو تمام وأنباء السيف في الموصل
أبو تمام وأنباء السيف في الموصل
 

تمثال آخر، هو صياغة إبداع أخرى بإزميل النحات العراقي نداء كاظم الذي تعلقت أنامله ولعا بنحت مبدعي العراق، من الفراهيدي إلى بدر شاكر السياب، إنه تمثال أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر الممتلئ إنسانية وخلقاً رفيعا، والمتقدم بشاعريته على شعراء عصره، والعصور التي تلته فكان اسمه يتردد بموازاة عمالقة الشعر العربي كأبي الطيب المتنبي والبحتري. 
فأبو تمام الذي ولد في حوران واستقدمه المعتصم إلى بغداد، تنقل من سوريا إلى مصر فالعراق فخراسان، فكان شعره عنواناً للتجديد في الشعر العربي في عمق الرؤية، وتراكيب الصور، معتمدا على إرث شعري، قرآني، لغوي فقهي عظيم، وهو القائل حين سأله أحد مجايليه قائلاً: يا أبا تمام، لم تقول ما لا يفهم؟ فأجابه: لم لا تفهم ما يقال؟ فقد كان غني الثقافة حاد الذهن يحفظ أربعة عشر ألف قصيدة وأرجوزة من أراجيز العرب، وهو إلى ذلك ناقد أدبي له تصانيف منها كتاب "فحول الشعراء" وكتاب "ديوان الحماسة"، ولهذا حقّ للبلدين سوريا والعراق أن يقيما له تمثالين في كل من قرية جاسم بدرعا في سهل حوران، وفي ساحة باب الطوب بالموصل حيث صاغ نداء كاظم ملامح ذلك الشاعر السوري العراقي من خلال شخصيته الفريدة التي لملم تفاصيلها من شعره ومن كتب التاريخ التي تصور سمرته وطول قامته ووقاره. 
أقيم تمثال أبي تمام أمام كورنيش الموصل على قاعدة حجرية بتفاصيل مكعبة بسيطة قد لا يكون لها علاقة واضحة بحركة التمثال، فيما يبدو المظهر العام للتمثال طبيعيا، حيث يعتمر الشاعر عمامة عربية تنسرح ذؤابتها على ظهره، وتتهدل عباءته الطويلة على كتيفيه في انتصاب قامة الواثق، إلا أن سر التمثال يكمن في حركة اليد اليسرى لأبي تمام، حركة فريدة عبقرية، لا بما تحمل "اليد" من دلالات الإبداع الإنساني وحسب، بل وبما يذكر بالإرث الديني الذي اعتمده الفنان مايكل انجلو في لوحته العظيمة "خلق آدم" The Creation of Adam حيث تسوية خلق آدم ونفخ الروح فيه، وأي مبدع لا يحرك يده حين تتحرك مشاعره الإبداعية. 
المفارقة أن دواعش القاعدة أزالوا التمثال من على تلك القاعدة الحجرية، وبقي الفنان نداء كاظم، ربما ليعيد صياغة تمثال أكثر تحدياً لهذا الشاعر الفذ الذي خلد دموية عصره في العديد من قصائده، حيث كان السيف أصدق الوقائع، كما هو حال العراق وسوريا البلدين اللذين انتسب إليهما أبو تمام، ليصدق ما قاله الشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني في ذكراه: 
يَكْفِيكَ أَنَّ عِدَانَا أَهْدَرُوا دَمنَا وَنَحنُ مِنْ دَمِنَا نَحْسُو وَنَحْتَلِبُ