اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
باءت كل محاولات تغيير اسمها بالفشل لانه رسخ في قلوب الناس..ساحة مظفر..عندما يكرم الفقراء طبيباً
باءت كل محاولات تغيير اسمها بالفشل لانه رسخ في قلوب الناس..ساحة مظفر..عندما يكرم الفقراء طبيباً
 
عبد الجبار العتابي

اسمها اكبر من مساحتها، وشهرتها الذائعة أهم من واقعها، مكانها.. يمرّ بها العابرون من دون ان تسترعي انتباه أحد ربما، ليست لها لوحة تحمل اسمها والاهتمام بها على قدر غير واضح لانها لم تعد محطة استراحة ولا ساحة انتظار لانها خالية من المقاعد الا مسطبة واحدة شبه محطمة على رصيفها البعيد.
   يتراقص اسمها على الألسنة ـ اغلب ساعات اليوم لآلاف المرات ـ بل وينادى به ويسأل عنه ايضا، سائقو سيارات الأجرة يذكرونه دلالة على وسطية ذهابهم وايابهم من والى مدينة الصدر (الثورة/ جوادر) خاصة، في (الكراجات) وعلى طول الشوارع المؤدية اليها، لكن الواصل اليها لأول مرة لايمكنه التعرف عليها فهي بلا لوحة تعريفية ولا أية دلالة تدل عليها، مجرد ساحة مدورة قطع ثلثها الشمال الغربي شارع على شكل قوس اختصر المسافة الدائرية وخفف من الزحام ربما، لكنها غير مهيئة للجلوس لعدم وجود مقاعد فيها فضلا عن ان ارضها ليست عشبية تماما ولا فيها اشجار عالية لتظلل الذين قد يستريحون تحتها، فيما شكلها لا يوحي بإنها لقيت اهتماما، ولو قرأنا في تضاريسها لوجدناها تحتوي على ممر صغير على جانبيه صفان من شتلات الزيتون الصغيرة وبالقرب منه نافورة من ثلاثة أقسام بعلو اكثر من مترين غير شغالة وفي وسط الساحة عمود من رخام بطول نحو 3 امتار في اعلاه ساعتان عاطلتان، فيما تجاوره لافتة اعلانية كبيرة من رخام بارتفاع اقل من ثلاثة أمتار وعرض نحو مترين، لكن ما حولهما غير مرتب وأمامها رصيف الشارع القوس، كما يحيط باغلب اجزائها جدار من شتلات الزيتون تحاول ان تمنحها قدرا من التميز.
     لم تكن الساحة حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي موجودة، لا ملامح معروفة لها لانها تقع في نقطة بعيدة نوعا ما عن المدينة، فهي أول ساحة في المدينة الكبيرة، ربما هي الساحة الأولى أو الوحيدة التي سماها الناس وباسم شخص من عامتهم، وفرضت التسمية بشكل عفوي لتكون جزءا مهما من الذاكرة الجمعية الشعبية للناس على الرغم من انها لاتزال غير رسمية ومحاولات البلدية أو سواها اعطائها تسمية اخرى مثل (ساحة العمال)  الا انها احتفظت بهذا الاسم الذي يؤكد الكثيرون انه سيبقى خالدا مهما وضعت للساحة من تسميات.
تسمية شعبية عفوية 
    هذه الساحة أخذت اسمها من الطبيب (مظفر اسعد) الذي كانت له في الستينات من القرن الماضي عيادة في قطاع 15، في الشارع العام الرابط بين شارع (55) والبنزين خانة، قرب بيت الحاج منشد، صاحب اشهر نقليات للجنوب، لكن عيادته كانت صغيرة كونها ضمن جزء مقتطع من أحد البيوت، ومع اتساع شهرته وتوافد المرضى عليه للثقة العالية به ولعدم استيعاب عيادته للمرضى، اشترى قطعة أرض في المنطقة التي تسمى الان (حي الأمانة)، ولم يكن الحي قائما بعد، ليشيد فوقها (على ركن من المكان) مبنى اكبر من (عيادة طبية) بل انه يشبه (مستشفى صغيرا)، افتتح فيه جناحاً خاصا لاجراء العمليات الصغرى وقد اعتمد اطباء مساعدين له ما جعل مستشفاه الصغير يضاهي بنظافته ومستلزماته وخدماته المستشفيات الحكومية آنذاك، ولكي تكتمل دورة خدمته الطبية للناس ألحق بالمستشفى صيدلية، كان ذلك في عام 1974، وكان المستشفى أول عمارة بطابقين هناك.
    لم تكن الساحة تحمل اسما، لكن البعض كان يسميها (رأس شارع الجوادر) ولم تكن مهمة بقدر ما كانت محطة أخيرة لمستشفى مظفر اسعد، وقد تحول طرف منها الى ساحة لوقوف (الحافلات الصغيرة) التي يبدو ان المجيء الى المستشفى جعلها محطة نهائية، ولم يكن  المكان قبل عمارة دكتور مظفر الا مساحات من الأرض فارغة تماما، ما عدا المدرسة والشعبة  الحزبية، وليست هنالك اي بيوت لانها طرف قناة الجيش وبعد ذلك تأسس حي الأمانة، فيما كان تردد الناس على مستشفى الطبيب مظفر الذي اشتهر قد اعطى للمكان دلالة في الساحة التي حملت اسمه.
 
رجل كرمه الفقراء
   يؤكد الكاتب شوقي كريم حسن، ان له ذكريات بعيدة مع الساحة والطبيب مظفر، فيقول: الساحة تقف عند بوابة المدرسة المتوسطة التي كنت ادرس فيها وهي مسائية، وشباك الصف يطل علی قلب الساحة التي سميت باسم طبيب ماهر اسمه مظفر اسعد.. كان نصيرا للفقراء في زمن القحط.. واعتقده يحمل افكارا انسانية تتفق وما نحلم به.. لهذا كنا نجله.. عند الطرف الآخر كانت الشعبة الحزبية.. ووسط هذا الحزن كان الفقير ينتظر لساعات حتی يأتيه الدور للفحص.
واضاف: يوما قررت ان أری هذا الرجل الذي اصبح مهما.. لذا خططت ان ادعوه لواحدة من مسرحياتي في قاعة البحث الاجتماعي.. انتظرت عند الباب وحين رأيته يدخل.. قدمت له بطاقة الدعوة بخجل شديد.. رجل مربوع مع شيء من السمنة والجاه.. سألني عن دراستي فأشرت الى  (متوسطة الشعب).. ابتسم بود.. وثانية سمعته يسألني عند موعد التدريب.. كانت اللحظات تمر.. والارتباك يستحوذ عليّ.. والساحة تكتظ بالرفاق والندوات.. وتكتظ بصراخنا ونحن نتدرب علی مسرحية من تأليفي سميتها (حياة جديدة).. وفجأة وذات وقت رأيت الطبيب مظفر اسعد يدخل علينا ومعه الاستاذ فضيل مدير المدرسة.. اصابنا الارتباك وربما الحزن.. لا اتذكر، بصمت كان يراقب التدريب وينصت لملاحظاتي .. الرجل تذكر صباه... تذكر شبابه لانه كما قال يحب المسرح والتمثيل.
وتابع شوقي: ذهبت الساحة التي تحمل اسمه ولم تزل.. لقد كرمه الفقراء برغم المحاولات لطمس معالمها.. أو تغيير الاسم.. الذاكرة الجمعية تحترم الانسان.. لهذا لاترغب في التغيير.. لكن الساحة اليوم متداخلة الاضلاع مخنوقة بالعبرات والضجيج.. المصب الرئيس لكل مخارج المدينة ومداخلها.. من خلالها كان تمر الحافلة 55 ومن خلالها تسرع الحافلة 39 باتجاه الباب المعظم.
 
موقع مميز 
    أوقفت شوقي عن سرد انثيالاته، لانظر وجه الساحة وانا القادم اليها من ساحة بيروت بشارع فلسطين، حيث يمثل هذا الشارع الغربي لها بعد عبور قناة الجيش، محال تجارية واسواق على يميني وعمارات بعدة طوابق بسيطة والمكان فيه حركة ملفتة، فيما على يساري مبنى (بلدية الصدر الأولى)، وعلى جهتيها المقابلتين، مساحات فارغة على رصيف شارعها يجلس عدد من (العرض حالجية) ومبنى لايزال في طور الانشاء، وثمة عدد من سيارات الأجرة كانت الساحة بالنسبة لهم محطة انطلاق الى (جميلة الصناعية).
    يعدّ مكانها الجغرافي على قدر كبير من الأهمية، فهي تتوسط أربعة شوارع تؤدي الى أماكن داخل المدينة مترامية الأطراف، من شرقها الشارع المؤدي الى ساحة 55 والجوادر، فيما جنوبها يؤدي الى شارع الفلاح وقطاع 7 والداخل، وشمالها باتجاه حي جميلة وهي تقع ضمن محلة (511) حي الأمانة. 
 
بيوت أهل الأمانة 
 حاولت ان انبش في ذاكرة الفنان عبدالجبار الشرقاوي كون المكان له مكانة في ذاكرته، فحدثني قائلا: سميت الساحة باسم الدكتور مظفر الشهير آنذاك في المدينة بعد ان كانت عيادته قرب ساحة 55  ثم انتقل الى عيادته الجديدة الواسعة الحالية فسميت الساحة باسمه من قبل المراجعين ومن سواق (الفورتات) الذين عادة مايطلقون بعض المسميات على بعض الأمكنة للدلالة حتى تثبت التسمية ويتم تداولها، واكثر التسميات التي اطلقت على ساحة 55 والجوادر والحي وسوق جماله وسوق العورة والكيارة غالبا ماكان مصدرها سواق و(سكنية)  الفورتات.
 اضاف: أما الدكتور مظفر فيقال انه لم يكن خريج كلية الطب، بل نائب ضابط مضمد وقد مارس مهنة الطب، ووجد المئات من المراجعين الشفاء على يديه حتى ذاعت شهرته في المدينة واصبحت كالنار في الهشيم.
 واستدرك الشرقاوي: طبعا العهدة على من كان يروي بان الدكتور مظفر ليس طبيبا بالأصل ولست أنا. وقد تكون شائعة بثها الحساد من الأطباء الذين لم يستطيعوا ان ينالوا من الشهرة وعدد المراجعين ماناله الدكتور مظفر.
 وتابع: المنطقة المحيطة بالساحة كانت سكنية فقط وتفتقر للدوائر الرسمية أو المحال التجارية. وكانت منطقة مميزة بسكانها وهدوئها وتختلف اختلافا جذريا عما يقابلها من مدينة الثورة أو الرافدين ثم مدينة صدام ثم مدينة الصدر. كانت تقابل المنطقة السكنية المتوسطة التي درست فيها (متوسطة الشعب) والى جوارها تم انشاء مبنى اصبح شعبة لحزب البعث ثم فرعا والحقت الى جانب الفرع فيما بعد دائرة للبلديات.
واستطرد موضحا: وجود العيادة الجديدة للدكتور مظفر اسهمت كثيرا في وجود المطاعم والكافتيريات والمحال لكثرة توافد المراجعين للعيادة، بينما المنطقة القريبة من الساحة والتي استؤجرت فيها عيادة د.مظفر كانت تسمى بيوت الأمانة.
واضاف: أود ان اضيف ان الجهة المقابلة لفرع الحزب ودائرة البلدية. كانت هناك عمارة من اربعة أو خمسة طوابق تابعة لوزارة التجارة في الركن المقابل اي بداية شارع 71 أو شارع خيرالله كما كان يسمى آنذاك، وشارع 71 وهو رقم مصلحة نقل الركاب التي ينطلق مسارها من ساحة الميدان كانت تمر بالساحة من خلال شارع خير الله، اي منطقة جميلة، ولم يكن يوجد في هذا الشارع في الثمانينات اكثر من ثمانية محال اجمالا. وهو الشارع الذي كان يسكنه خيرالله طلفاح وأولاده.
 
قلب نابض ولكن !!
    عدت الى شوقي كريم ليسرد ما بقي في نفسه من انثيالات عن الساحة، ونحن نقف على طرف منها، حيث الصورة هذه لا تشبه الصورة التي اختزنتها ذاكرته عنها، انه لا يرى شيئا من جمالها الآخاذ وليس لأولئك السابقين من حضور، لم أرها مثلما يراها، لكنني اجدها لم تمتلك من الذي سمعته عنها شيئا كثيرا، انها محبطة ربما أو تشعر بالاهمال، قلت لشوقي هات ما تبقى عندك، فقال: اتذكر ان أول خفقت قلب حدثت هنا، عند طرف الساحة المؤدي الی حي الأمانة.. وكان الخفق قاسيا وحزينا ايضا.. وعند ذاك الطرف كنا نلتقي من أجل الذهاب الی ساحة قناة الجيش لغرض القراءة أو التدريب علی مسرحية ما.. الساحة روح ومعنی بالنسبة لنا علی اقل تقدير.. روح عبثنا وصناعة ارواحنا.. وروح لانها شيدت الجزء الأهم من ذاكرة مدينة، التفت اليوم كلما انصت لمناد ينادي باسمها.
وختم بالقول: ساحة مظفر.. توقفت عندها اكثر من مرة ولكني فشلت في ان اجد صحبي.. وتأريخي.. الأشياء تتغير.. لكن الساحة باقية حتی وان طالها التغيير.. تكرر حضورها يوميا لانها قلب نابض لواحدة من اكبر مدن العراق.