اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 عراقيون يصنعون الابتسامة من "دفيني" الى "غوث"
 سبية نجت من قبضتة داعش تروي لـ "الشبكة" ايام محنتها
 الشبكة تكشف ملابسات جريمة شاحنة الموت
 شعائر الحزن العظيم .. عشرة أيام من المناحة الخالدة
 عراقيون يصنعون الابتسامة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بانوراما
 
الآصفي الكبير
الآصفي الكبير
 
فضل فرج الله

رسم الفقيد الراحل الشيخ محمد مهدي الآصفي صورة متميزة للمفكر الاسلامي المستنير تختلف عما سواها من الصور الأخرى الحديثة والمعاصرة، فقد جمع في شخصيته بين الوعي الحركي، والتميز الفكري، والمعرفة الواسعة بضرورات المرحلة، والفهم المعمق لمدلولات النص القرآني، والتفقه في مجال العلوم الدينية..
فضلا عن الزهد والترابية الواعية والابتعاد عن المباهج وهي سمة كانت تشكل طابعاً عاماً لحياة الفقيد الكبير وطريقةً مثاليةً حركيةً يواجه بها عالماً مليئاً بالمتناقضات والطبقية والحرص الواضح لدي أغلب المعنيين بالشأن العام سواء الديني أم السياسي على تفضيل المصالح الشخصية الضيقة والتغافل عن المصالح العامة للامة وهمومها في أشد المراحل صعوبة وأكثرها تعقيداً.  
لقد ابتدأ الآصفي مشواره مبكراً في مجال العمل السياسي في الحركة الاسلامية بداية الستينات من القرن الماضي مع حزب الدعوة الاسلامية حيث كان أحد رواده الكبار سواء في العمل التنظيمي المباشر والاندماج مع الجيل المثقف آنذاك، أم في عملية التنظير الفكري والثقافي في تلك المرحلة وما تلاها، فرافق جميع المراحل التي مرت بها الدعوة الاسلامية ابتداء من المرحلة الثقافية وحتى تجربة الحكم، كما أنه خاض كل معاركها وصراعاتها وتذوق كل معاناتها وآلامها في العراق وفي المهجر وشارك في كل ارهاصاتها وحتى وقت قريب كان له الكلمة والموقف اللذان يحفظان لهذا الكيان وحدته وقيمته السياسية والاجتماعية وسط هذا الصراع المحتدم بين مختلف الاتجاهات، فكان خير من مثلها فكراً وسلوكاً.
إن هذا الوعي المبكر بضرورة العمل السياسي ما كان ليتأتى لإنسان يعيش في تلك الحقبة التي تعتبر دخول رجل الدين الى هذا الوسط أمراً محرماً، لولا أنه فهم الاسلام بشكل جديد ومعاصر، فهمه بوصفه مشروعاً صالحاً للأمة في كل مراحلها من أجل بناء الانسان والمجتمع، مشروعاً قادراً على التكيف مع متطلبات العصر يقوم عليه رجال امتلكوا من الوعي والفهم والمعرفة المعاصرة ما يكفي ليكونوا ممثلين حقيقيين لهذا الدور، فلا يكفي لرجل الدين أن يتعلم الفقه والاصول حتى يصبح قائداً لهذه الأمة، بل لابد أن يمتلك القدرة على بناء مشروع معاصر يستطيع من خلاله منافسة المشروعات الأخرى التي تزخر بها الساحة.. 
ولهذا فهم الآصفي أن بناء مجتمع اسلامي معاصر يحتاج الى حركة اسلامية معاصرة وكان حزب الدعوة الاسلامية بالنسبة اليه المثال الصالح لهذا المشروع رغم وعيه للصعوبات التي ستواجهه خلال مسيرته، وهي صعوبات مركبة حيث سيواجه نمطاً تقليدياً داخلياً يرى أن دخول هذا المجال هو خروج عن المتعارف السائد من النأي بالنفس عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي وهو ما يدخله صراعاً ليس من السهولة تحقيق النصر فيه.. كما أنه سيواجه صعوبات خارجية تتمثل بمعارضة السلطات الحاكمة آنذاك، وهو أمر قد يؤدي الى تبعات كبرى تصل مستوى التضحية بالنفس أو التهجير وهو ما حصل فعلاً.
أما فهمه للمدلولات الحديثة للنص القرآني لا سيما في الجانب الحركي الذي كرس جزءاً كبيراً من حياته للبحث فيه، فكان يستند الى التركيز على القيم الاساسية التي يتبناها القرآن الكريم في سبيل بناء الانسان والمجتمع بناءً صالحاً يقوم على القيم الاخلاقية والانسانية، من دون الخوض في الطريقة التقليدية المعتمدة على التفسير الحرفي التجزيئي للنص القرآني بالاستناد الى نصوص وروايات من هنا وهناك والتي غالباً ما تضيع جوهر النص والمغزى الحقيقي الذي يريد ايصاله الى الانسان المسلم، ولهذا فقد اعتمد اسلوباً يركز على مناقشة الموضوع وجمع الآيات المختلفة التي تتعلق به والخلوص الى رؤية قرآنية متكاملة عنه، وهو أحد معاني ما يقصده برؤيته حول (تفسير القرآن بالقرآن) التي هي استكمال لرؤية المفكر الكبير السيد محمد باقر الصدر في التفسير الموضوعي للقرآن.. وقد كان حضور الجلسات والدروس التي يلقيها أيام المهجر في مدينة قم يشكل إثراء كبيراً لنا كشباب متطلعين نحو وعي جديد في الجانبين الفكري والأخلاقي، وكنا نتسابق آنذاك للفوز بإحدى تلك المحاضرات لأنها كانت تمثل لنا وعياً ليس سهلاً الحصول عليه في ذلك الزمان والمكان. 
لم يقتصر التميز في شخصية الآصفي الفقيد على الوعي الحركي والفكر المعاصر فحسب، بل كانت ايضاً شخصية مثالية في الجانب السلوكي العملي فقد كان متواضعاً الى أبعد الحدود يتعامل مع الناس بدماثة خلق عالية ويساعدهم فيما يحتاجون اليه، كان الجانب الانساني في شخصيته لا يدانيه فيه أحد فقد ساعد المهاجرين ووقف مع الفقراء وقدم لهم المعونات على قلة ما في يديه في حين كان هناك الكثير ممن هم أقدر منه مالاً، ولكنهم أقصر عنه في العطاء..
كان مثالاً للزاهد المتعفف عن كل الملذات رغم انه كان يستطيع أن يكون غنياً باذخاً، كان ترابياً بسيطاً في مأكله ومشربه ومسكنه رغم أنه كان يستطيع أن يسكن أفخم البيوت وأن يعيش حياة مرفهة شبيهة بحياة من كان يماثله في الموقع السياسي أو الاجتماعي أو الديني.. لله درك أيها الآصفي الكبير فقد كنت في جملة الكبار الزاهدين وقد تكون آخرهم.