اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
مُضادّات اليأس في بغداد
مُضادّات اليأس في بغداد
 
حسام السراي

يائسون كُثر يلاقونك في مقهى يخشى ألغام الكراهية، ومُحبطون من يوميات اعتياديّة يُصادفونك في شوارع تجهل سُوريالية الأقدار، تستمع لهؤلاء جميعاً وأنتَ تُجيد التعايش مع مزاج متقلّب للزمن العراقيّ، حيث تتراقصُ الأجسادُ فيه، فرحاً إمّا لفوز كروي لمنتخب البلاد وإمّا لتناغم مقهور مع "فالنتاين" ينطفئ وهجه بسرعة هائلة. العكس تماماً حينما تبحثُ – بثوان معدودات- عن زقاق أو طريق فرعيّ يخلو من سيّارة قد تنفجر عليك، بعد أن تشظّى من تشظّى في الانفجار الذي هربت من محيطه.
الحقّ أنّ الانكسار النفسيّ شديدُ الفتك بالإنسان، يُهدّم قدرته على الانضباط، حكمة العقل يطويها الانفعال الآني وصلابة الروح تنكشف عورتها بوجه صنائع الخوف.
لا يحتاج العراقيّ الحائر اليوم، الذي ليس له غير هذه الأرض المُبتلاة، إلى حصّة تموينيّة بأربعين مادّة غذائيّة- كما كانت طلائع الشائعات العام 2003! ولا ينتظر من حكومته أن تبني له ناطحات سحاب الآن وفوراً، ولا يسأل عن حقّه المفترض من ثروات بلاده، هذه كلّها أزيحت من ذهنه أمام زخم الكوارث المتتالية، من إرهاب ومُدن محتلة وعدم التوفّر على رؤية لبناء دولة مؤسّسات يطمئن إليها.
لكن وسط الصورة الراهنة التي يصرّ بعضهم على أن تكون مأتماً دائمياً، ألا يجب أن نمنح الحياة العامة جرعة من مضادّات اليأس. قبل أكثر من سنة تقريباً- صادف أن ألتقي على هامش ندوة نُظّمت على شرف ممثّلة جديدة لإحدى المؤسّسات الدوليّة العاملة ببغداد، التقيت يومها مسؤولاً هو أعلى سلطة مدنيّة معنية بجمالية العاصمة ونظافتها، قلت له: "لِمَ لا يفكّر المسؤول عندنا بأن يشتغل لتأريخه كي تذكره الناس لاحقاً؟"، ردّ سائلاً عمّا أقصده بالضبط، فعدت موضّحاً بأنّه "مسؤول عن العاصمة جماليّاً وحضاريّاً، ولبغداد تأريخ ثقافيّ وأسماء أدبيّة وفنيّة لامعة، فلِمَ لا تضعون مقاطع من قصائد كبار شعراء العراق في التقاطعات الرئيسة وفي النشرات الضوئيّة للطرق، ليلاً، كي تعطي صورة أخرى للمدينة ولناسها ولمسؤوليها أيضاً"، ذاكراً له أمام الحضور: "لدينا قافلة من الأسماء: الجواهري، والسيّاب، وسعدي يوسف، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وغيرهم العشرات". أجاب صاحبنا الذي لم يعد الآن في منصبه، بعد أن استدرك عن اسم سركون كأنّه لم يسمع به من قبل، إنّ "موضوعاً مثل هذا من مسؤولية شركات إعلانيّة تعاقدت مع الحكومة على إشغال الساحات وأسطح العمارات".
اليوم وما دمنا أمام طاقم حكوميّ جديد، ليس صعباً على أمانة بغداد ووزارة النقل، وحتّى وزارة الثقافة وبالتعاون مع المنظّمات الثقافيّة والفنيّة، أن تملأ فضاء العاصمة بمقاطع من تراث الشعر العراقيّ وحاضره، وأن نحتفي بفنّنا التشكيليّ، دعونا نرى في شوارع بغداد صوراً من لوحات فنّانينا الكبار: ضياء العزاوي وإسماعيل فتاح الترك وشاكر حسن آل سعيد ومحمد مهر الدين وسعدي الكعبي وآخرين، وأيضاً خطوط وأعمال محمد سعيد الصكار وغني العاني وحسن المسعود.
هل صعب أن تتزيّن سيّارات وزارة النقل بمقاطع من قصائد شعرائنا، وأن يكون الطريق إلى مطار بغداد مشغولاً بلوحات مبدعينا، وأن يدخل المسافر إلى المطار، فيقرأ تعريفات عن روّاد الثقافة العراقيّة في شاشات مخصّصة لذلك، ولنحلم أكثر بكتبهم وببعض مقتنياتهم موجودة هناك. 
إجراءات لا تحتاج إلى المليارات أبداً، لكنّها تتطلّب القليل من التفكير والكثير من الذوق؛ لأنّها بغداد يا ناس.